
القلوب البيضاء: كيف نحتضن ذوي الاحتياجات الخاصة في الأزمات؟ بقلم : د. وسام أبو رميلة
عندما تهب العواصف وتشتد الأزمات، يواجه الجميع تحديات كبيرة، لكن ذوي الاحتياجات الخاصة يعيشون معاناة مضاعفة. كيف لطفل لا يستطيع التعبير عن مشاعره أن يطلب المساعدة؟ كيف لشخص يعتمد على روتين دقيق أن يتأقلم مع عالم انقلب رأسًا على عقب؟ في ظل الحروب والكوارث، يصبح البقاء على قيد الحياة تحديًا،لكن الأكثر إلحاحًا هو الحفاظ على كرامة وحقوق هذه الفئة التي تحتاج إلى تكاتفنا جميعًا.
كيف يعيش ذوو الاحتياجات الخاصة في الحرب؟
في تقرير نشرته “هيومن رايتس ووتش” في الثالث من أيلول 2024 عن معاناة الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة في الحرب الأخيرة، يواجه الأشخاص ذوو الإعاقة خطرًا أكبر من الموت والإصابة أثناء النزاعات المسلحة بسبب صعوبة الهروب أو اتباع أوامر الإخلاء، حيث لا تُؤخذ احتياجاتهم في عين الاعتبار. هؤلاء الأشخاص، وخاصة الأطفال، يعانون من أضرار نفسية إضافية بسبب شعورهم بأنهم عبء على أسرهم أثناء محاولاتهم النجاة. تحدث التقرير عن أم لطفلة تُدعى غزل، تبلغ من العمر 14 عامًا، ولديها إعاقة حركية، وقد توسلت لوالدتها أن تتركها وتذهب إلى مراكز الإيواء بدونها، بسبب صعوبة تنقلها في الحرب، حيث فقدت كرسيها المتحرك، وحركتها بطيئة جدًا بسبب الحذاء الخاص الذي ترتديه لمساعدتها في الحركة. إن أهم مطلب لهذه الفئة أثناء الحرب هو التواجد في مكان آمن، والحصول على الدواء والغذاء والماء النظيف. غزل هي واحدة من كثيرين، ولا توجد لدينا معلومات أو إحصائيات عن عددهم وأنواع تحدياتهم واحتياجاتهم في الأزمات.
تتفاقم صعوبات الحياة لذوي الاحتياجات الخاصة في أوقات الأزمات على جميع المستويات، حيث تزداد حدة التحديات التي يواجهونها في حياتهم اليومية في ظل الظروف الطارئة. فالذين يعانون من صعوبات في التعبير والتواصل، مثل عدم القدرة على إبلاغ الآخرين بمشاعر الخوف أو التوتر أو الغضب، يصبحون أكثر عرضة لتأثيرات الضغط والتوتر والخوف والغضب. والذين يعانون من إعاقات حركية وبطء الحركة وصعوبات التنقل يجدون أنفسهم عاجزين عن الهروب من الأذى، وبالتالي يواجهون خطر الموت المحتم. بالإضافة إلى ذلك، تتعرض هذه الفئة لانقطاع التعليم والعلاجات الروتينية، مما يؤدي إلى انتكاسات كبيرة في حياتهم، ويفقدهم جزءًا من استقلاليتهم. ولا ننسى فقدان الشخص الذي يمثل الأمان لهم، بسبب الحرب أو الكوارث، مما يجعلهم يواجهون هذا العالم المظلم بمفردهم، دون سند أو دعم.
وكذلك تتضاعف الصعوبات الحسية في ظل الضوضاء والفوضى؛ فمن لا يحتمل الضوضاء سيجد صعوبة في التكيف مع أصوات القصف والصواريخ، ومن ينزعج من العتمة قد يعاني بشكل مضاعف مع انقطاع التيار الكهربائي. تخيل معي عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة، طفلًا مصابًا باضطراب طيف التوحد في الحرب، غير ناطق، تزعجه الأصوات المرتفعة، يحتاج إلى الاحتضان بين الحين والآخر، ويعتمد على البطاقات المصورة للتعبير عن احتياجاته. لا يأكل إلا نوعًا واحدًا من الطعام، وهو غير متوفر بسبب الحرب. أثناء الذهاب إلى مراكز الإيواء، فقد بطاقاته، وعلى الطريق فقد والدته أيضًا، ليظل مع إخوته الصغار الذين يحاولون مساعدته، لكنهم ليسوا كوالدته. (كمثال بسيط: تعرض لمشاهد وفاة والدته أمامه، وأصبح عاجزًا عن التواصل، ولا يوجد من يوفر له الدعم والمساندة كأمه، بالإضافة إلى كل صعوباته الأخرى). في هذه الظروف، كيف يمكنه طلب احتياجاته؟ كيف يمكنه تحمل الضغوطات العاطفية والنفسية؟ وكيف الحال إذا كانت امرأة من ذوي الاحتياجات الخاصة أو كبيرًا في السن؟
أهمية الروتين في حياة ذوي الاحتياجات الخاصة
يشكل الروتين جزءًا أساسيًا في حياة ذوي الاحتياجات الخاصة، إذ يوفر لهم الاستقرار والوضوح، مما يقلل من التوتر ويمنحهم شعورًا بالأمان. فمعرفة الخطوات المتوقعة لليوم تمكنهم من التفاعل مع محيطهم بثقة أكبر. ولكن، خلال الأزمات، مثل الحروب والكوارث، يتعرض هذا الروتين للانقطاع، مما يؤثر سلبًا على حالتهم النفسية والاجتماعية. فقدان الأنشطة اليومية المعتادة، كالمدرسة أو العلاج أو اللعب، يؤدي إلى تراجع في تطورهم ويعزز مشاعر الخوف والارتباك لديهم. إضافةً إلى ذلك، فإن التغيرات المفاجئة، مثل النزوح والتنقل المفاجئ والضوضاء العالية، تجعل التكيف مع الظروف الجديدة أكثر صعوبة، خاصةً لمن لديهم حساسية زائدة تجاه المحفزات البيئية غير المتوقعة. فإذا كان التعامل مع اللايقين صعبًا على الفرد العادي في المجتمع، ويخلق لديه الكثير من البلبلة، فكيف يكون الحال بالنسبة لذوي الاحتياجات الخاصة؟
كيفية التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة في الأزمات
في أوقات الأزمات، يتضاعف الاحتياج إلى الدعم النفسي، خاصةً لذوي الاحتياجات الخاصة. فبعد تأمين الضروريات الأساسية كالغذاء والملبس والمأوى، يصبح التواصل الفعال معهم ضرورة ملحة لتقديم المساعدة والطمأنينة. يجب تدريب أفراد الأسرة على كيفية التواصل الفعال لضمان استمرار الدعم حتى في غياب مقدم الرعاية الأساسي. ويتجلى الدعم العاطفي في التعاطف، واللمسات الحانية، واستخدام الألعاب المحببة، والتواصل المستمر الذي يتناسب مع احتياجاتهم الفردية. كما أن إظهار الهدوء والثبات يمنحهم شعورًا بالأمان، بينما يساعد خلق روتين يومي، حتى في ظل الفوضى، على التأقلم. وكلمات الحب والدعم، مثل “أنا بجانبك” و”أحبك”، تصنع فارقًا كبيرًا في حياتهم. وتساهم الأنشطة المشتركة، كالرسم والألعاب الحركية، وتقنيات التهدئة، مثل تمارين التنفس العميق، و”احتضان الفراشة”، واسترخاء العضلات التدريجي، في تخفيف التوتر والقلق لديهم.
الإجراءات الوقائية
يقلل التدريب المسبق على سيناريوهات الأزمات من الضرر الناتج عن المفاجآت. ويمكن تنفيذ ذلك عبر محاكاة سيناريوهات مثل الحرائق، والزلازل، والقصف، والمكوث في الملاجئ لفترات قصيرة يوميًا للتأقلم معها. كما يجب تدريب أفراد العائلة على طرق التواصل المناسبة لكل فرد من ذوي الاحتياجات الخاصة، وتدريب الأفراد من هذه الفئة على طلب المساعدة. ومن الضروري تجهيز حقيبة طوارئ تحتوي على الأدوية، والملابس، والألعاب المهدئة، وسماعات لحجب الضوضاء، ومصباح يدوي في مثل هذه الظروف. إضافة إلى ذلك، فإن توفير شبكة دعم اجتماعي من الأقارب ومقدمي الرعاية يسهم في تخفيف الأثر النفسي للأزمات.
الوعي المجتمعي
رفع الوعي المجتمعي ضرورة ملحة، ويتحقق ذلك عبر تثقيف المجتمع حول التحديات التي يواجهها ذوو الاحتياجات الخاصة. تنظيم ورش عمل وندوات حول كيفية التعامل معهم في الأزمات يعزز من قدرتنا على مساعدتهم. كما يمكن تعزيز الشراكة بين المؤسسات المعنية والمدارس والمجالس المحلية لضمان توفير بيئة داعمة لهم. إبراز قصص نجاح لأفراد من ذوي الاحتياجات الخاصة يساعد في تغيير الصورة النمطية عنهم. كما أن استخدام وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي لنشر الوعي، مثل الفيديوهات القصيرة (Reels)، يسهم في وصول الرسالة إلى أكبر عدد ممكن من الناس.
ختامًا، إن ذوي الاحتياجات الخاصة ليسوا مجرد أفراد بحاجة إلى الرعاية، بل هم مرايا تعكس لنا أسمى معاني الرحمة ونقاء القلب والعطاء الصادق. يعلموننا كيف يكون الحب بلا شروط، وكيف يكون الصبر بلا حدود.إن أقل ما نقدمه لهم هو أن نكون صوتهم حين يعجزون عن التعبير، وأيديهم حين تعيقهم الظروف، وقلوبهم حين تشتد الأزمات. ففي رعايتهم ودعمهم، لا نمنحهم الأمل فقط، بل نرتقي بإنسانيتنا إلى حيث يجب أن تكون. إن توفير بيئة داعمة لهم ليس خيارًا، بل ضرورة إنسانية علينا جميعًا السعي لتحقيقها.