
متى نكسر الأقفال ونخرج من الأقفاص؟؟ بقلم : بديعة النعيمي
تتوالى المجازر في غزة وسط صمت عربي يكاد يكون مطبقا وتضيع الضفة وتؤكل كتف سوريا ولبنان. ولا يعلو خلال هذا كله سوى ضجيج الشاشات، أما الشوارع فساكنة سكون المقابر، والنفوس مثقلة بجمود ليس بمستغرب. والفجيعة التي تحدث في غزة طوال ٢٤ ساعة لا توقظ أحدا، ولم تعد الصور الدامية تصنع موجة غضب كما كانت تفعل في زمن مضى. والصدمة الحقيقية باتت لا في مشاهد الدم، بل في موت الحس.
هذا الصمت، الذي قد يبدو للبعض طبيعيا، ليس وليد اللحظة. بل إنه نتاج عملية استمرت عقودا من الترويض، بدأت منذ أن تفككت الروح الجماعية للأمة بعد سقوط الخلافة العثمانية. وهنا أود أن أنوٌه بأن الخلافة سقطت في الحقيقة منذ إجبار عبد الحميد الثاني على التنحي أي عام ١٩٠٨ وقلب الدولة من إسلامية إلى علمانية على يد جمعيات الاتحاد والترقي وغيرها من الجمعيات التي كان من ضمن أعضاءها يهود من “يهود الدونمة”، التي سهلت وصول “كمال أتاتورك” إلى الحكم فيما بعد. وكان لهذا ارتداداته على البلاد العربية التي تم تقسيمها بحسب اتفاقية “سايكس بيكو” التي استبدلت مشاريع التحرر القومي بأنظمة استبدادية استخدمت الدولة كأداة للسيطرة، لا كمساحة للكرامة.
وكما قال عبد الرحمن الكواكبي: “إن مشكلة الاستبداد السياسي لا تكمن فقط في القمع، بل في تحويل الإنسان إلى عبد يرى عبوديته حقا من حقوقه”.
وقد ورث حكام تلك البلدان آليات القهر من المستعمر، حتى صارت الشعوب تعيش في أقفاص داخل أوطانها، تعيش وهم الاستقرار مقابل خنق الحريات وقتل أصوات الحق.
وأدوات التدجين لم تكن مجرد سجون ومشانق، بل مدارس وكتب وأناشيد تُطبع في الذاكرة منذ الطفولة، ترسخ في ذاكرة الأجيال وبالتالي وعيها: “لا تفكر، لا تحتج، لا تسأل”.
هكذا تم إنتاج مواطن لا يرى في نفسه فاعلا بل مفعولا به، مشاهدا للألم، عاجزا أمام الاستبداد الذي ارتضاه لنفسه.
النكبات المتوالية، من فلسطين إلى العراق، ومن سوريا إلى اليمن، أحدثت شرخا نفسيا عميقا في وعي الإنسان العربي. تراكمت الصدمات حتى تحوّلت إلى حالة من “الخدر الجماعي”، وما صنعه العقل العربي اليوم من التبلد ما هو إلا من أجل أن لا ينهار. فحين يعجز عن التغيير، يصبح الصمت وسيلة للبقاء. وحين يُجرَّد الإنسان من أدوات الفعل، يفقد تدريجيا إحساسه بالمعنى.
لكن التدجين لم يكن نفسيا فقط. بل ساعدت سياسة الأقفاص على ترسيخه. فتشوهت البوصلة وصار الاحتلال الصهيوني “شريكا في السلام”، والمقاومة هي “العقبة ” في وجه ذلك السلام المزيف.
فانقلبت المصطلحات وأصابها الخدر.حتى أصبح التطبيع مع العدو واقعا يقدّم ك “فرصة تاريخية”. فانقلبت الحقيقة في الوعي الجمعي حتى صبح “الصهيوني” صديق يقتل بذريعة “الأمن”, والمقاومة “إرهابي معتد”.
وكنتيجة لهذا الخلل لم تعد المجازر تستفز الغضب، بل تمر كما يمر أي خبر عادي غير مهم. وفي ظل هذا كله، تراجع الحلم الجمعي ولم تعد الشعوب العربية تحلم بالتحرير. ولم تعد فلسطين وبالتالي غزة تعني له قضية وانتماء، بل عبئا نفسيا يهرب من أخبارها بمتابعة قنوات الطبخ وآخر صرعات الموضة وغيرها من قنوات التفاهة المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي زمن الفردانية المغتربة هذا، حيث أصبحت النجاة مشروعا شخصيا لا جماعيا، ماتت فكرة الأمة، وتحوّلت قضاياها إلى موجات موسمية من التعاطف العابر. وهذا ما يسعى له العدو، وقد تحقق.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد صمت، بل نتيجة هندسة عميقة للنفس العربية، تفككت فيها المعاني، وذبلت الروح، وانهار الحلم. فلا غرابة أن تمر المجازر بلا غضب، لأن الغضب نفسه تم تدجينه.
ولكن حين تدرك الشعوب أنها جزءا من الجريمة بصمتها وأن العدو أصبح قريبا منها وحان دورها في أن تكون الوجبة التالية له، وأن ما كانت تعيشه من أمن وأمان ما هو إلا أوهام في زمن التخدير، وأن تحررها يبدأ من الداخل، فإنها قد تقدم على كسر أقفال أقفاصها.