1:09 صباحًا / 5 أبريل، 2025
آخر الاخبار

الأستاذة المرشدة انديرا حرب ، زهرة تفيض عطراً في بستان الإنسانية ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات

الأستاذة المرشدة انديرا حرب ، زهرة تفيض عطراً في بستان الإنسانية ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات

في مسيرة الحياة، تمرّ بنا وجوه كثيرة، بعضها يعبر دون أثر، وبعضها يرسّخ حضوره في القلب والذاكرة كما ترسّخ النقوش على الحجر. ومن بين أجمل من مرّوا بحياتي، وتشرفت بمعرفتهم، كانت الأستاذة المرشدة التربوية انديرا حرب، تلك السيدة النبيلة التي تشبه ندى الصباح في رقّتها، وشمس المغيب في دفئها، والبلسم في لمستها.

عرفتها أولاً من خلال ابنتي “تاليا”، حين عادت يومًا من المدرسة الماليزية الأساسية، تموج وجهها بالفرح، كأنّها عادت من مهرجانٍ مليء بالحب والنشاط، وقالت لي بحماسٍ طفوليّ:


“مِس انديرا عملت لنا نشاط عن الأشياء الجيدة والسيئة، لعبنا لعبة، ووزعت علينا أوراق عمل وبدأنا نلوّن… أنا سعيدة جداً”.

حينها، لم أحتج إلى كثير من الكلمات لأدرك أن في المدرسة إنسانةً لا تكتفي بأداء مهامها، بل تُحيلها إلى فنٍّ تربوي، ودفءٍ أموميّ، وبهجةٍ تنبع من الأعماق. وما أن تعرفت عليها بعد ذلك، حتى أيقنت أنّ انطباعي الأول لم يخذلني، بل كان ظلًا بسيطًا لصورةٍ أعمق وأجمل.

قلبٌ ممتلئ رغم غياب الأبناء

يقول البعض إن “فاقد الشيء لا يعطيه”، لكن الأستاذة انديرا حرب نسفت هذا القول من جذوره، وأثبتت أن بعض القلوب خُلِقت لتعطي دون شرطٍ أو مقابل. رغم أنّ الله لم يمنحها نعمة الأطفال، فقد منّ عليها بروحٍ أموميةٍ تحتضن أبناء المدرسة وبناتها جميعًا، وكأنّها خُلِقت لتكون حضنًا دافئًا ومأوىً نفسيًا لكل تلميذٍ صغير يبحث عن الحب والتوجيه والاحتواء.

هي الأم التي لا تلد، لكنها ترعى، ترشد، تساند، وتمنح من حنانها ما يعجز عنه الكثير من الأمهات. كانت –وما تزال– مرآةً للتهذيب، وكتابًا مفتوحًا في الإنسانية، ومرشدةً حقيقيةً في زمنٍ باتت فيه القيم تُنسى وتتآكل.

الرقيّ ليس شعارًا… بل سلوكٌ يومي

ما يميز الأستاذة انديرا ليس فقط حبها لعملها أو تفانيها في الإرشاد، بل طريقة تعاملها الراقية التي تشبه نسيم المساء حين يلامس الأرواح، وماء الورد حين يعطّر الأماكن بصمتٍ وهيبة.

ومن أروع ما قالت ذات يوم، كلماتٌ لا تُنسى، تُلخّص شخصيتها الراقية، وتجعلنا نتعلّم منها دروسًا في السلوك والكرامة:

« أنا أحبُ التّعامل بالإحترام والتّقدير، وأعتقد أن التّجاوز عن الحدود ليس مقبولا. أحترم الحرية الشّخصية لكن بمراعاة حقوق الآخرين. طيبتي ولباقتي في التّعامل لا تعكس ضُعفا، بل تعبّر عن تربيتي وقيَّمي، ليست عزّة النّفس تكبراً، بل هي قدرتي على التّباعد عن كل ما يقلّل من قيمتي.


أرحب بمن يبادلني التّحية، وأعتقد أن رفع مستوى كلماتنا أفضل من رفع مستوى أصواتنا، فالرّقي في التّعبير يثمر الإحترام كالمطر الذي ينمو به الورد. »

تلك الكلمات، ليست فقط عباراتٍ منمّقة، بل مواقف تتجلّى في كل تصرف، وكل نظرة، وكل حديثٍ لها. فهي لا ترفع صوتها، بل ترفع قيمة الكلمة. لا تجادل بالصخب، بل تحاور بالرقي، وتجعل من كل لقاء معها تجربةً إنسانيةً مميزة تُربّي الروح وتغذّي العقل.

شكرًا لمن تنبت الزهور من خطواتها

أستاذتي العظيمة، يا من جعلتِ من المدرسة حديقةً يغمرها الربيع التربوي، ومن الأنشطة فسيفساءً من الإبداع والفرح، ومن كلماتك شذىً يبقى عالقًا في الأذهان، أشكرك من أعماق القلب.

شكرًا لأنك المعنى الحقيقي للإنسانية، وشكرًا لأنك جعلتِ من الطفولة مرفأً للسلام، ومن التعليم رسالة حبٍّ سامية. شكرًا لكِ لأنك كنتِ لأبناء الناس أمًا، ولأحلامهم جناحًا، ولخطواتهم دربًا معبّدًا بالطمأنينة.

أرفع لك القبعة، وأكتب هذه الكلمات بكل فخر، لأنك من أولئك الذين إن مرّوا بحياتنا، علّقوا أرواحنا على شرفات الضوء، فاستحالت ذكراهم طهارةً لا تُنسى، وعطرًا لا يزول.

دمتِ أستاذةً ومُلهمةً، ودام أثرك النبيل يشعّ في حياة من عرفك…
فأنت انديرا حرب… اسمٌ يكفي ليعني الاحترام، والحب، والاحتواء.

شاهد أيضاً

إصابة مواطن من سلفيت بجروح جراء اعتداء مستوطنين عليه

شفا – أصيب المواطن مزيد صبحي العريض (57 عاما) من مدينة سلفيت، بجروح ورضوض إثر …