9:33 مساءً / 4 أبريل، 2025
آخر الاخبار

الحياة مرآة أفكارنا، فانظر ماذا ترى! بقلم : د. تهاني رفعت بشارات

الحياة مرآة أفكارنا، فانظر ماذا ترى! بقلم : د. تهاني رفعت بشارات

الحياة مرآة أفكارنا، فانظر ماذا ترى! بقلم : د. تهاني رفعت بشارات

الحياة ليست سوى انعكاسٍ صافٍ لما يدور في خلدك، فهي أشبه بمرآةٍ تعكس أفكارك، وتلون أيامك بصبغة ما تحمله في داخلك. إن كانت أفكارك مشرقة، أشرقت حياتك، وإن اعتراها السواد، فسرعان ما تغدو الأيام كئيبةً، والأقدار كأنها تتآمر عليك. الفكرة ليست مجرد خاطرٍ عابر، بل هي بذرةٌ خفيةٌ تُلقى في تربة الواقع، فإن كانت صالحةً نمت وأزهرت، وإن كانت فاسدةً نمت وخنقتك بأشواكها. فاجعل أفكارك نورًا يضيء دربك، واملأ عقلك ببذور الإيجابية، حتى وإن كانت أرض الواقع قاحلةً، فكم من صخرةٍ صماء تفجّر منها نبعٌ رقراق! وكم من أرضٍ ظنناها بورًا، فأنبتت ورودًا عطرةً لم نكن نحلم بها! إن كنتَ في ضيق، فابحث في عقلك عن نافذةٍ للهواء، وإن كنتَ في يأس، فاغرس في قلبك بذرة الرجاء، واعلم أن الكمال لله وحده، وأن النقصان هو ميزان الابتلاء، فمن صبر، فاز، ومن سخط، حُرم.

لكن، ما أقسى أن تأتيك الطعنة من حيث ظننت الأمان! أن يغدر بك من كنتَ تراه ظلك، أن يخذلك من منحته قلبك، أن يتحول من كان لك ملاذًا إلى سيفٍ يطعن خاصرتك دون رحمة. تلك لحظةٌ تفقد فيها الكلمات معناها، ويختلط الصمت بالصراخ، وتحترق الذكريات كما تحترق الأشجار الجافة بلهيبٍ لا يرحم. لكن، مهلاً! أما مرّ بك طيفُ يوسفَ عليه السلام؟ ذلك الفتى الذي خانه إخوته، من كانوا لحمه ودمه، وألقوه في غياهب الجبّ دون أن يطرف لهم جفن! ومع ذلك، حينما مُكّن له، لم يثأر، ولم ينتقم، بل كان قلبه أكبر من جراحه، وقال بكل عظمة الروح وسموّ النفس: “لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ” (يوسف: 92). كم هو عظيمٌ أن يكون لديك الحق في الانتقام، ثم تختار الصفح! وكم هو راقٍ أن تمسك لسانك عن اللوم، وتغلق قلبك عن الكراهية، وتمضي غير ملتفتٍ إلى الخلف، كما يفعل النهر حين يتجاوز الصخور دون أن يعاتبها لأنها وقفت في طريقه!

لا تعاتب، فالعِتاب استنزافٌ لروحك، وإطالةٌ لوجعٍ كان الأجدر أن يُدفن بلا شاهد. لا تعادِ، فالعداوات نارٌ تحرق صاحبها قبل أن تمسّ عدوه. لا تحارب، فبعض المعارك لا رابح فيها، بل تخرج منها منهكًا، مثقلًا بالخسائر، فاقدًا لكل رغبةٍ في الانتصار. حينما تشعر أن شخصًا ما قد استنفد دوره في حياتك، فلا تتمسك به كغريقٍ يتعلق بقشة، بل كن كالشمس، تغيب عن أماكن لم تعد تستحق ضياءها، دون أن تُحدث ضجيجًا، ودون أن تلتفت لمن لا يرى قيمتك. انسحب بهدوء، استردّ من قلبك كل مشاعرٍ كانت له، وارجعه غريبًا كما كان، فمن أرادك لبقي، ومن اختار الرحيل فلا يستحق منك حتى السؤال.

ولا تنسَ، نحن نحكم بما يظهر لنا، لكن الله يحكم بما تخفيه القلوب، فدع أمر السرائر لمن لا تخفى عليه خافية، ولا تلوث قلبك بالكراهية، ولا تنشغل بمن خذلك، فالدنيا تمضي، ولن تتوقف كي تلملم حزنك. كن كالنهر، يسير رغم العوائق، ويُجدّد ماءه رغم العثرات، فكل ما يمضي يترك لك درسًا، وكل جرحٍ يوسّع في قلبك مكانًا لنورٍ جديد، وكل سقوطٍ لا يعني النهاية، بل بدايةٌ لحكايةٍ أخرى أكثر نضجًا وجمالًا.

شاهد أيضاً

وزارة التجارة الصينية الصين

الصين تقاضي الولايات المتحدة أمام منظمة التجارة العالمية بسبب “التعريفات الجمركية المتبادلة”

شفا – أعلنت وزارة التجارة الصينية اليوم الجمعة أن الصين رفعت دعوى قضائية لدى آلية …