
الدكتور عمار حاتم محاريق ، رجلُ العطاء والنضال العلمي ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات
في الحياة، هناك من يعبرون سريعًا دون أن يتركوا أثرًا، كنسمةٍ تهبّ في ليلةٍ صيفية ثم تتلاشى، وهناك من يضيئون الدروب بأفعالهم، تاركين بصماتٍ لا تمحوها السنون، بل تبقى منقوشةً في ذاكرة الأيام، كالنقش في الحجر. ومن بين هؤلاء الذين سطّروا أسماءهم بحروفٍ من نور، كان الدكتور والأخ العزيز عمار حاتم، رئيس الاتحاد العام لطلبة فلسطين – فرع ماليزيا، الذي لم يكن مجرد زميل أكاديمي، بل كان نموذجًا يحتذى في الالتزام، ورمزًا للعطاء، وصورةً ناصعةً للقيادة الطلابية المسؤولة، التي لا تألو جهدًا في سبيل خدمة الآخرين.
حين يكون العمل النقابي رسالةً ساميةً لا مجرّد منصب
كان أول لقاءٍ بيني وبين الدكتور عمار حاتم لحظةً فارقة، لحظةً تحمل في طياتها بداية مسيرةٍ نضاليةٍ جديدة، حين تواصل معي ليقترح انضمامي إلى الهيئة الإدارية للاتحاد العام لطلبة فلسطين في ماليزيا، حيث طُرح اسمي ضمن نخبةٍ من الزملاء والزميلات، من بينهم الدكتور يوسف المدهون، وذلك بهدف خدمة الطلبة الفلسطينيين، والإجابة عن استفساراتهم، وتذليل العقبات التي تعترض طريقهم في غربتهم، لتتحول تلك الدعوة إلى بابٍ واسعٍ من أبواب العطاء والعمل التطوعي، حيث لم يكن الاتحاد مجرد إطارٍ تنظيميّ، بل كان بمثابة عائلةٍ فلسطينيةٍ مصغّرة، تمتد جسور المحبة بين أفرادها، فتختصر المسافات، وتلغي حدود الاغتراب.
شعرت حينها أنني أنتمي إلى كيانٍ أكبر من مجرد مؤسسةٍ طلابية، بل إلى بيتٍ يضم تحت سقفه القلوب المتعبة والآمال المتقدة، كبيتٍ عربيٍّ قديمٍ تتعانق فيه الأجيال، وتشتعل فيه نار الكرم فلا تنطفئ. فالاتحاد لم يكن مجرد مكتبٍ ينجز المعاملات، بل كان قلبًا نابضًا، وأيديًا تمتد بالعون، وعقولًا تفكر في حلولٍ إبداعيةٍ لكل من طرق بابه.
السفارة الفلسطينية.. الحاضنة الدافئة لأبناء الوطن في الغربة
لم يكن الاتحاد وحده في هذا الطريق، بل كان يسير جنبًا إلى جنب مع سفارة دولة فلسطين لدى ماليزيا، تلك القلعة التي وقفت دومًا إلى جانب الطلبة، وأشرعت أبوابها لهم كأمٍّ تحتضن أبناءها بحنانٍ لا ينضب. كان السفير الفاضل وليد أبو علي (أبو إياد) مثالًا للرجل الذي يؤمن أن المنصب ليس وجاهةً، بل مسؤولية، وأن السفارة ليست مجرد مؤسسةٍ رسمية، بل بيتٌ دافئ لكل مغترب.
كانت السفارة بمثابة خيمةٍ فلسطينيةٍ ممتدةٍ في أرض الغربة، لا تقتصر مهامها على إنجاز الأوراق الرسمية، بل تتجاوز ذلك إلى دعم الطلبة نفسيًا واجتماعيًا وأكاديميًا، فكانت تقف إلى جانبهم في أفراحهم وأتراحهم، تبادر لحل مشكلاتهم، وتعمل جاهدةً على إزالة العقبات التي تواجههم، حتى بات الطالب الفلسطيني يُعامل في بعض الامتيازات كالمواطن الماليزي، بفضل الجهود التي لم تهدأ يومًا.
كم من طالبٍ أُغلقت في وجهه الأبواب، ووجد في السفارة يدًا تمتد لتفتح له طريقًا جديدًا؟ كم من حلمٍ كاد أن ينطفئ، فكانت جهود السفير وطاقمه وقودًا أعاد إليه توهجه؟ إنها ليست مجرد مؤسسة، بل نبض وطنٍ في أرضٍ بعيدة، ويدٌ تمسح على قلوب المغتربين بحنانٍ لا يعرف الجفاف.
حين يصبح النجاح مسؤوليةً جماعيةً لا فردية
لم يكن الدكتور عمار حاتم مجرد رئيسٍ للاتحاد، بل كان الأخ الذي لا يتأخر عن مساعدة أحد، والقدوة التي تعمل بصمتٍ دون أن تبحث عن تصفيقٍ أو شكر. كان شعلة نشاطٍ لا تنطفئ، حاضرًا في كل وقت، مجيبًا عن أي استفسار، حريصًا على ألا يترك طالبًا فلسطينيًا يشعر بالضياع أو الوحدة.
وأذكر بكل اعتزازٍ وتأثرٍ موقف الاتحاد العام تحت رئاسته حين حصلتُ على درجة الدكتوراه، فبروح الأخوة الحقيقية، نظّم الاتحاد حفل تكريمٍ لي ولعددٍ من الزميلات اللواتي نلن الدرجة نفسها. لم يكن مجرد احتفالٍ أكاديمي، بل كان تجسيدًا لمعنى التضامن، ورسالةً بأن نجاح الفرد هو نجاحٌ للجميع، وأن الإنجازات تكتمل حين يشاركها الآخرون بفرحٍ صادق.
عمار حاتم.. الأثر الذي لا يُمحى
في هذه الرحلة التي جمعتنا، أدركت أن العظمة ليست في الشهادات التي نحملها، ولا في الألقاب التي نُزين بها أسماءنا، بل في الأثر الذي نتركه في قلوب الآخرين، في البصمات التي تبقى بعد رحيلنا، في اللمسات الطيبة التي قد تبدو صغيرةً لكنها تصنع فارقًا كبيرًا في حياة أحدهم.
والدكتور عمار حاتم كان واحدًا من هؤلاء الذين يمشون في دروب العطاء بلا كلل، ويحملون مشاعل النور في ظلمات الغربة، ويسيرون واثقي الخطى، لا بحثًا عن مجدٍ شخصي، بل إيمانًا بأن العطاء هو أعظم ما يمكن للإنسان أن يقدمه للحياة.
شكرًا لك دكتور عمار، شكرًا لكل جهدٍ بذلته، لكل دعمٍ منحته، لكل بابٍ فتحته أمام طالبٍ حائر، ولكل كلمةٍ طيبةٍ قلتها في وقتها المناسب. ستظل ذكراك خالدةً، كالنجم الذي يضيء السماء مهما غطته الغيوم، وكالنبع الذي يسقي العطاشى، فلا ينضب ولا يجف.