
حنين كمال نصّار ، الروح التي تعانق الحروف وتترك أثرًا لا يزول ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات
في مسيرة الحياة، نلتقي بأشخاصٍ يتركون في أعماقنا بصمةً لا تُمحى، وأثرًا لا يُنسى، ونورًا لا يخبو مهما تقادمت الأيام. ومن بين أولئك الذين تشرفتُ بمعرفتهم، كانت الروائية والشاعرة والفنانة التشكيلية الأردنية حنين كمال نصّار، تلك الإنسانة التي جمعت بين رهافة الإبداع، وعمق الفكر، وبهاء الروح.
اللقاء الذي جمع الأرواح قبل الأجساد
لم يكن لقاؤنا لقاءً عابرًا في الطرقات، ولم تجمعنا طاولةٌ في مقهى أو جلسةٌ أدبيةٌ بين الكتب، بل كان لقاء الأرواح التي تآلفت قبل أن تلتقي الأعين. سبحان الله العظيم، كم هي غريبةٌ تلك الصدف التي تنسج خيوطها الأقدار! فقد تواصلتُ معها عبر تطبيق فيسبوك، كنتُ أسألها عن بعض الأمور المتعلقة بكتابي الجديد، الذي أسعى لإخراجه إلى النور قريبًا بإذن الله.
وفي لحظاتٍ بسيطة، تحوّل استفساري العابر إلى حوارٍ عميق، وإلى درسٍ في العطاء والسخاء، وإلى تجربةٍ نادرةٍ من النقاء الإنساني. لم تبخل عليَّ بوقتها الثمين، ولم تضع بيني وبينها حواجز الكاتب المتحفّظ، بل كانت كالصديقة الحنونة، وكالأخت التي تسند بكلماتها، وكالكاتبة المخضرمة التي تُضيء الدرب لمن يأتي بعدها.
الكلمات التي تصنع الفرق
إن الكلمة قد تكون في ظاهرها مجرد حروفٍ، لكنها قد تصبح جسرًا يعبر عليه الأمل، وسراجًا ينير العتمة، ويدًا تمتد في اللحظات التي نحتاج فيها إلى الدعم. والجميل في الأمر أن حنين قرأت بعضًا مما كتبتُ وقالت لي: “أتمنى لكِ التوفيق”، لم يكن مجرد تمنٍّ عابر، بل كان شهادةً من كاتبةٍ متمرسة، ونبضًا صادقًا يحمل في طياته كل معاني الإيمان بقدرات الآخرين.
فأجبتها بشكرٍ نابضٍ بالامتنان، وقلت لها: “كلامك أسعدني، ونحن في فلسطين نجاهد ونحوّل المحن إلى منح، ونؤمن بأن القادم أجمل بإذن الله”. كانت لحظةً تُختصر فيها كل معاني الإرادة، وتلتقي فيها روحان آمنتا بأن للكلمات قوةً تصنع الفرق، وبأن للأدب رسالةً تتجاوز الحدود والمسافات.
حين يكون العطاء كنزًا لا يُقدر بثمن
ليس من السهل أن تجد شخصًا يمنحك من وقته، ويستمع إليك بقلبه قبل أذنيه، ويضيء لك الطريق دون أن ينتظر مقابلًا. في زمنٍ طغت عليه السرعة والمصالح، هناك قلوبٌ نادرةٌ تُشبه الذهب، بريقها لا يخفت، وكرمها لا ينضب، وحضورها في حياتنا كالغيث الذي يُنعش الأرض العطشى.
وهكذا كانت حنين كمال نصّار، امرأةً تحمل في قلبها وطنًا من المحبة، وفي فكرها بحرًا من الإبداع، وفي روحها نهرًا من الصفاء والنقاء. شكرًا لكِ يا حنين، شكرًا لأثركِ الطيب الذي سيبقى خالدًا، ولروحكِ النقية التي تُشبه زهرةً نادرةً تنثر عبيرها أينما حلّت.
شكرًا للشعب الأردني النشمي، الذي أنجب مثل هذه القامات الأدبية الراقية، وشكرًا لكِ أستاذة حنين، لأنكِ كنتِ أكثر من مجرد كاتبة، كنتِ أثرًا طيبًا سيبقى ما بقيت الحروف والذكريات.