
وئام نزيه أبو عون ، أختٌ في درب العطاء وأثرٌ لا يزول ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات
هناك أشخاصٌ يمرّون في حياتنا كعابري سبيل، يتركون بصمةً عابرة ثم يمضون، وهناك من يُنقش اسمهم في القلب بمداد المحبة والوفاء، كأنهم غيثٌ هاطلٌ في صحراء العمر، يمنح الأرض حياةً، ويروي القلب بماء النقاء. ومن هؤلاء الذين أضاءوا مسيرتي وشكّلوا جزءًا من ذكرياتي الجميلة، كانت الأستاذة والزميلة والصديقة وئام نزيه، التي لم تكن مجرد زميلة عمل، بل كانت أختًا في العلم، ورفيقةً في الدرب، ونموذجًا مشرقًا للعطاء والتواضع.
حين تتلاقى الأرواح على درب العلم والعطاء
عرفتُ وئام خلال عملي في إحدى المدارس، وكانت نموذجًا يُحتذى في الأخلاق الرفيعة والعطاء اللامحدود. لم تكن تسعى للتميّز من أجل ذاتها فقط، بل كانت شعلةً من النور تضيء لمن حولها، تمد يدها للمساعدة، وتنثر الخير في كل زاوية. كانت في تلك الفترة تحضّر رسالتها للماجستير، بينما كنتُ أنا أخطو في رحلة الدكتوراه، وكأن دروب العلم جمعتنا في طريقٍ واحد، فامتزجت روح المثابرة بشغف التعلم، والتقت عزيمة السعي برقيّ الأخلاق.
وذات يوم، استفسرت مني عن بعض الأمور المتعلقة برسالتها العلمية، وطلبت أسماء محكّمين أكاديميين، فكان من دواعي سروري أن أُقدم لها ما استطعت، فالعلم نورٌ يُزهر حين يُشارك، والمعرفة لا تكتمل إلا عندما تُمنح بسخاء. ولم يكن ذلك سوى بداية لعلاقةٍ زادتها الأيام متانةً وجمالًا.
دعمٌ متبادل وعونٌ لا ينضب
مرت الأيام، وتبدلت الأدوار، واحتجتُ مساعدتها في بعض الأمور التقنية والتكنولوجية، فإذا بها تسابق الزمن لتقديم يد العون، وكأنها كانت تقول: “ما قدمته لي من دعمٍ يومًا، قد حان دوري لرده إليك”. لم تكن مجرد مساعدةٍ عابرة، بل كانت عطاءً نابعًا من قلبٍ نقي، وروحٍ معطاءة لا تنتظر المقابل.
ولن أنسى يوم حصلتُ على درجة الدكتوراه، كيف كانت فرحتها خالصةً كأنها نجاحها الشخصي، وكيف امتلأت عيناها ببريق الفخر، وكيف أحضرت لي هديةً مميزةً من قلبها قبل يديها، وكأنها تُوثّق ذكرى النجاح بلحظةٍ لا تُنسى.
لحظاتٌ محفورة في الذاكرة
لم تكن علاقتنا مجرّد صداقةٍ عابرة، بل كانت نموذجًا راقيًا للتعاون في العمل والإبداع في العطاء. أيامٌ جمعتنا في المدرسة، حيث كنا ننسج أفكارًا خلاقة، ونصنع من التحديات فرصًا، ومن العمل اليومي لوحةً من الإبداع.
واليوم، وأنا أسترجع تلك الذكريات، أُدرك أن الصداقة الحقيقية لا تقاس بطول السنوات، ولا بكثرة اللقاءات، بل بصدق المشاعر، وعمق التأثير، وبذلك الأثر الجميل الذي يبقى حتى لو تباعدت المسافات.
وئام.. الأثر الذي لا يُمحى
في الحياة، هناك من يعبرون طريقنا ويتركون عبقًا لا يزول، وبصمةً لا تُمحى، وأثرًا يبقى كضوء الفجر مهما طالت ظلمة الليل. وئام نزيه، كنتِ وما زلتِ إحدى هؤلاء النادرين، أيقونةً للوفاء، وصورةً ناصعةً للعطاء، ورفيقةَ دربٍ لا تُنسى.
شكرًا لكِ يا وئام، شكرًا لقلبكِ النقي، وروحكِ العظيمة، وعطائكِ الذي لا ينضب. فخورةٌ بكِ يا غاليتي، وأثركِ الطيب سيظل خالدًا في قلبي ما حييت.