
في تشابك ذراعَي الجيش الإسرائيلي والمستوطنين ، بقلم : أنطوان شلحت
في تغطيتها هجوما شنّه مستوطنون إسرائيليون قبل أيّام على “خِربة جنبا” في مسافر يطّا في المنطقة “ج” من أراضي الضفة الغربيّة، التي تشكل نحو 61% من مساحتها وفق “اتفاق أوسلو- ب”، ويتواتر العمل حاليا على ضمّها إلى دولة الاحتلال، عنونت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية تقريرها بـ”تشابك ذراعَي المستوطنين والجيش”، موضحةً أن البداية كانت بالاعتداء على راعيَي أغنام وإصابتهما بجروح خطرة، وواصل المستوطنون هجومهم من بؤر استيطانية عدّة على الخربة فاعتدوا على سكّانها بالعصي والهراوات، مخلّفين ست إصابات، في حين أكمل الجيش المهمّة باعتقال 22 شاباً.
وبذا تلمّح الصحيفة إلى انتقال الجيش الإسرائيلي ممّا يوصف بأنه تساهلٌ مع جرائم عنف المستوطنين وممارساتهم الانتقامية، إلى استكمال هذه الجرائم. ويكتسب هذا التلميح وجاهته بالأساس من واقع نقل “الصلاحيات المدنية” في الضفة إلى الوزير بتسلئيل سموتريتش، رئيس حزب “الصهيونية الدينية” اليميني المتطرّف، وإضعاف صلاحيات القائد العسكري (المسؤول الفعلي في الأرض)، ما استجرّ أيضا تغيير القواعد والإجراءات المتعلّقة بتصاريح البناء في المستوطنات، ونقل وحدة المراقبة إلى سيطرة سموتريتش، الأمر الذي يسمح بتوسيع الرقابة على البناء الفلسطيني غير القانوني وغضّ النظر عن البناء الإسرائيلي غير القانوني، والنتيجة تآكل الحاجات والاعتبارات الأمنية، وتقدُّم الاعتبارات الاستيطانية.
ما يجب إعادة التذكير به، أن المستوطنين يعتدون منذ عشرات الأعوام على الفلسطينيين، ويسلبون أراضي فلاحين عاجزين، وتمهّد الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لهم السبل كلّها. وربّما ينبغي على سبيل إنعاش الذاكرة الإشارة، مثلا، إلى أن “عرّاب أوسلو”، شمعون بيريز، تفاخر عندما كان وزير أمنٍ بغرس أوّل شجرة في مستوطنة “عوفرا”، التي أُقيمت أغلب بيوتها في أراضٍ خاصّة.
بالرغم من ذلك، من أبرز التداعيات التي ترتبت على الحكومة الإسرائيلية الحالية، بحسب ما يفيد باحثون مختصّون، أنها تشكّلت بناءً على نتائج الانتخابات العامّة أخيرا، التي دفعت نحو السطح تيّاراتٍ عميقةً في المجتمعَين؛ الديني والحريدي، بالإمكان تصنيفها تياراتٍ أصوليةً/ سلفيّةً/ غيبيّةً، تفرض هيمنتها على الحكومة الحالية، وتتسم أكثر شيء بالاستلاب الكامل للحاخامات وفتاويهم في ما يتعلّق بأحكام الشريعة اليهودية، حتى لو كانت تتعارض مع العقل أو المنطق. وثانيا، هناك مدماك آخر أكثر خطورة في الطابق الأصولي الذي يُبنى، وهو السؤال حول ما إذا كان من اللائق أن تشكّل المفاهيم الأخلاقية معياراً تفسيرياً في فهم الشريعة، أم أنه ليس بمقدور البشر فهم “الأخلاق الإلهية”. وبالتالي؛ عليهم أن يُطيعوا (على نحوٍ أعمى) حتى عندما تتعارض تعاليم معيّنة مع أيّ فهم أخلاقي مُتعارَف عليه.
وسبق لكاتب هذه السطور أن لفت إلى أبحاث إسرائيلية جديدة عن جماعات الإرهاب الجديدة الناشطة في أوساط المستوطنين في أراضي 1967، ويُطلق على أفرادها تسميات عدّة، مثل “شبيبة التلال” و”جماعات تدفيع الثمن”، أثبتت أن أكثر ما يُحرّك أعضاءها نزعاتٌ وميولٌ فردية، بخلاف أفراد نُسخ سابقة منها كانوا يأتمرون أساساً بتعاليم حاخامات.
والخلاصة التي تصل إليها تفيد بأنه إذا كان في إمكان مؤسّسات أو قيادات سياسية أو أمنية إسرائيلية أن تؤثّر في الماضي على الحاخامات بما يُفضي إلى دفعهم نحو الحدّ من إرهاب تلك الجماعات بإدانته أو التحفّظ عليه علناً، ففي الحاضر يفعل هؤلاء الإرهابيون كلّ ما يحلو لهم فعله، من دون أي قيود، وطبعاً بلا ضمير، وهذا يقتضي عدم التوقّف عند اللحظة الراهنة فحسب، بل العودة إلى أصولها في الماضي الذي ما زال مستمرّاً في الحاضر.
وفقا لأحد هذه الأبحاث، بدأ عام 2013 ظهور جيل جديد من المستوطنين الإرهابيين في أراضي 1967 لا يمتثل لتعليمات الحاخامات فيما يتعلّق بالصراع من أجل “أرض إسرائيل”. وفي ضوء ذلك، وبالرغم من تحفّظ بعض هؤلاء الحاخامات على عمليات “تدفيع الثمن” استُمرّ في ارتكابها، وهكذا برز خطابٌ مضادّ حتى لفتاوى بعض المرجعيات الدينية.