
الحملة العربية للتعليم في أسبوع العمل العالمي ، النوع الاجتماعي بين ثقافة البناء والاشتباك البيولوجي ، بقلم : نسيم قبها
إن الحديث في مناحي التربية والسياق التعليمي حول الذكورية والأنثوية في البيداغوجيا العربية شحيحة ، وغير مباشرة ، لأن إشكالية الجنوسة، أو الجندرية بصيغة أخرى لم يتم توقيفها عربيا وربما عالميا بشكل محّدد ومتفق عليه .
لقد حاولت الحملة العربية للتعليم من تتبع البحوث الأنثروبولوجية والسوسيولوجية بشكلها البسيط ، تتبع محفوف في الاستكشاف لا في المسلّمات من خلال ورش ولقاءات حميمية تفاعلية لأعضائها من قرب وعن بعد ، وتناولت هذه اللقاءات بنية النوع الاجتماعي والشمول بشكل ثقافي في الأساس ، لانها ثقافية في أساسها أصلا ، فهي ليست مجرد ميول أيديولوجية أو فنية أو نفسية حتى نبصم بالتعريف الذي لا ينفذ.
صحيح أن ميلاد الوعي التربوي العربي ومنه استخراج المناهج المعبّرة عن تواجهته ، استحكم فيها الوعي الذكوري بشكل لا يمكن لكل عين فاحصة أن تخطئه، على أساس أن العقول المسؤولة عن صناعة التعليم كمؤسسة تربوية ثقافية اجتماعية ، كانت عقولا ذكورية صرفة بشكل عام ، ما دامت سلطة القرار كانت دائما في يد الرجل وما زالت.
هذا الأمر سيجعل الجنسانية الذكورية تنعكس على حقل التربية بشكل عام . إلا أنه، وبعد هبوب رياح الانفتاح والعولمة الشمالية على الجنوب والتي هي ( علاقات جندرية ) لأنها علاقات قوة بطبيعتها ، هذا الانفتاح على ثقافتنا العربية بشكل خاص قد أثار الجلبة في العلاقة بين المرأة وماضيها، والمرأة وحاضرها مع الرجل ، في إعادة النظر في بنيوية الثقافة العربية المتعلقة بالنوع الاجتماعي ( الجندر ) ، باعتبارها أنساقا ينبغي لها أن تعكس تصورات السياسة التربوية للكتابة في هذا الحقل ووجود الاعتباري والحسّي، حتى تصبح هذه الأنساق مكتملة ذهنيا عندنا .
إن إشكالية البحث في النوع الإجتماعي والجندر ، هي إشكالية فلسفية اجتماعية ، تناقش البناء الثقافي والاجتماعي الذي يتجاوز التقسيم البيولوجي الثنائي للذكر والأنثى البسيط ، والذي يشتبك بالخصائص الفيزيولوجية ، وصولا إلى ماهيّة أدوار النوع الاجتماعي والهويات والعلاقات التي تصبغ بتصنيفات المجتمع غالبا ، وتنتج عن ذلك التساؤلات حول طبيعة الذكورية والأنثوية التي تفرضها الثقافة ، او التي تنتج عن البيولوجيا والمحيط أيضا.
ولأن الخوض في أي قضية ما، كيفما كانت طبيعتها، يقتضي بالضرورة الانتقال بها من مجرد موضوع إلى تمثلها كخطاب معرفي فاعل أولا، ثم الوعي بها ثانيا ، من أجل تحويلها إلى وسيط معرفي ينتج المعرفة ويغذيها بالنتاجات القابلة دائما للنقاش ، كانت الجندرية والنوع الاجتماعي مادة خصبة للنقاش الفكري في الساحة التربوية العربية وما زالت ، علما بأن الخلفية الموضوعية وراء هذا الجدال، كانت غاية الدفاع عن المرأة كفاعل أساس في الإبداع التربوي العربي بشكل خاص ، والثقافي بشكل عام . ولعل الكثافة الموضوعية تقتضي منا أن نجانب نظرة المجتمع للمرأة، وأن نغيّب كثيرا تمثلاتها في النمط العربي التقليدي، وأن ننظر إليها كشريك أساس في إنتاج المعرفة والمعنى، كصياغة مناسبة لتصوراتنا في الحملة العربية للتعليم في هذا المجال.
لقد بات ملحا بأن نفهم أنه لا تصارع بين البيولوجيا ومرونة التفكير حين نبحث في مفهوم النوع الاجتماعي ، لأن هذه الظاهرة المعقّدة التي تشتبك في تشكيل الهوية ودور البيولوجيا فيها ، لا يمكن اختزالها في إجابات بسيطة ومغلقة ، مع أننا نرى المرأة كذات مستقلة في عملها ، ذات تجاوزت التعبير والتخييل الرمزي معا ، وبذلك يمكن لنا بالإجراءات النقدية أن ننتقل إلى سعة القراءة والتصوّرات في المفهوم ، لا إلى ضيق التوثيقات والتعريفات الجامدة التي تقيّد البنيوية الاجتماعية ، ولا تعطي إجابات الرعاية والقوة وتأثيرات الدماغ .
إننا بكل بساطة نفتح السؤال كطيف متحرر على كل النظريات ، ونبقي الإجابات تتماهى مع التجربة….