
هل مازالت القراءة جاذبة؟ بقلم : د. انتصار البناء
بالعودة لمسألة تعزيز موقع الثقافة في المجتمعات، وانتشار الكثير من مجالاتها مثل تأسيس النوادي والجمعيات الثقافية، والتوسع في تأسيس الصحف وحركة الكتابة والتأليف، يرجع كثير من إرهاصاتها إلى ولع القراءة الذي ساد لعقود طويلة. أخذت القراءة منحى حضاريًا واجتماعيًا دال على كثير من القيم التي سادت المجتمعات المتقدمة أو المجتمعات الناهضة حديثًا. كانت القراءة غاية ووسيلة في نفس الوقت. كانت القراءة متعة ومجهودًا ذا وظيفة. فهل مازالت كذلك؟
في عصر التنوير، وعند الأسر الأرستوقراطية، يمثل وجود مكتبة في المنزل علامة من علامات الترف الفكري والاقتصادي. واقتناء كتب أهم أدباء ومفكري العصر لا يقل قيمة عن اقتناء أهم اللوحات الفنية والتحف. وتجاوز السلوك الحضاري اقتناء المكتبة إلى عقد صالونات ثقافية يجري فيها نقاش آخر الأطروحات الثقافية، وتبادل أهم السجالات الفكرية والسياسية والاقتصادية. وكان للنساء حضور بازر في تلك الصالونات، بل كانت بعضهن هي راعية الصالون ومديرته. وكان لنا في الوطن العربي تجربة صالون الأديبة اللبنانية مي زيادة، في مصر، الذي اجتمع فيه كبار مثقفي عصرها مثل مصطفى الرافعي ومصطفى عبدالرازق وطه حسين والعقاد وغيرهم ممن أضحوا مؤسسي النهضة العربية. وقد وصف العقاد مجلس مي زيادة بأنه مجلس ديمقراطي يتمكن من الوصول إليه والتعبير فيه كل من له شأن ثقافي وإن لم يبلغ شأنًا سياسيًا.
وربما عزز من مكانة القراءة في تلك السنوات الباكرة كونها المصدر الوحيد، تقريبًا، للمعرفة وللترقي الوظيفي والاجتماعي. فهي الأسلوب الوحيد حينها لتلقي المعرفة. وكانت تعبِّر عن سلوك حضاري راقٍ في تخصيص وقت غير قليل لمتابعة آخر الإصدارات من الصحف والدوريات والروايات والترجمات والأطروحات الفلسفية، حين كان الغرب مصدرًا للحركات الفلسفية الحديثة وكانت المنطقة العربية في قلب عاصفة من التيارات الإيديولوجية المتصارعة. والقراء المثقفون كانوا يعدون نخبًا، وكان على وجههم سمت خاص من الوقار والنضارة، وتمثل الأناقة التي تليق بالمثقفين.
هل يغني الكتاب المسموع عن قراءة صفحات الكتاب؟ سؤال فلسفي يستحق التحليل. امتصاص رحيق المعرفة بالسماع ألا تفي بالوظيفة الأساس للقراءة. الأفلام الوثائقية ألا تحل محل عشرة كتب؟ المراجعات التي يقدمها بعض أصحاب المنصات للكتب متضمنة ملخصها ونبذة عن سيرة الكاتب والسجالات التي أثارها الكتاب ورأي أصحاب نفس الاتجاه، ألا تحقق الغرض ذاته من القراءة؟
حين يمارس أحدنا كل ما سبق، ويكتسب معرفة وخبرة بحاسة السمع والتفاعل البصري، ألا يستحق أن نصفه مثقفًا وشبه قارئ؟ لن أتكلم عن القراءة عبر شاشة الأجهزة اللوحية؛ لأنها بالتأكيد تجسيدٌ آخَر للكتاب. ولكني أفكر بالأساليب والأدوات التي حلت محل الكتاب، وفي الوقت ذاته، تنهض بالوظيفة ذاتها، وتحقق الغايات نفسها.
أعرف أحدهم، قال لي ذات مرة: أنا أقضي في طريق الذهاب إلى العمل ساعة، وفي العودة إلى المنزل ساعة أخرى، وأتمكن خلال الساعتين من الاستماع إلى كتاب متوسط كامل بإنصات وتركيز. في أحد معارض الكتب رأيت مرة مؤسسة لتحويل الكتب الورقية إلى كتب صوتية، وهي تستقطب المؤلفين إذا رغبوا بتسجيل كتبهم بأصواتهم خصوصًا الروايات. وقد كان إقبال الكُتاب عليها جيدًا.
بالتالي، وعود على بدء: هل ما يزال سلوك القراءة في حد ذاته المتمثل في حمل كتاب وتخصيص وقت (خاص) للقراءة، هل ما يزال سلوكًا جاذبًا يعبِّر عن مستوى من التحضر والرقي؟ أم أنه سلوك تقليدي أقرب إلى التراث أمام هذا السيل الجارف من لقطات الانستغرام والسناب شات والتيك توك؟