
خولة أسعد ، الأخت التي أهدتني الأيام صداقتها، والصديقة التي جسّدت أسمى معاني الوفاء ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات
في الحياة محطات، وفي المحطات وجوه، منها ما يكون عابرًا كالريح، يمر دون أن يترك أثرًا، ومنها ما يكون كالشمس، دفؤه حاضر، ونوره دائم، ووجوده حياةٌ تُنير الدروب. وفي رحلتي، كانت خولة أسعد إحدى تلك الأرواح النقية التي زينت أيامي بحضورها، وملأت دروبي دفئًا وصدقًا.
عرفتها زميلةً في المدرسة، فوجدتها عنوانًا للطيبة، وأيقونةً للأصالة، وصوتًا للكلمة الطيبة، وقلبًا لا يعرف إلا الدعاء الجميل. لم تكن مجرد موظفة ، بل كانت أمًّا لكل طالب، وأختًا لكل زميل، ويدًا ممدودة بالخير، وصدرًا رحبًا يتسع لكل من حولها. كانت الملاذ الآمن لطلابها، الحاضنة لمشاكلهم، والحلّ الهادئ لكل ما يعترض طريقهم، وكأنها نجمة في سماء المدرسة، تنير ظلمتهم بحكمتها، وتهديهم إلى برّ الأمان بابتسامتها.
لكن الأجمل من كل ذلك، أن خولة لم تكن مجرد زميلة، بل كانت أختًا حقيقيةً لي، حضورها في حياتي كان كالحصن الذي ألوذ إليه كلما ضاقت بي الأيام. كم من موقفٍ أثبتت فيه أن الأخوة ليست فقط في الدم، بل قد يمنحنا الله إخوةً بقلوبهم، بأفعالهم، بصدق وجودهم في حياتنا.
لم يكن دعمها مجرد كلماتٍ عابرة، بل كان مواقف تُروى، ووقوفًا صادقًا لا يُنسى. حين مررتُ بتجربةٍ صعبةٍ خلال إجراء والدتي لعمليةٍ جراحية، لم أكن وحدي، لأن خولة كانت هناك، إلى جانبي، تساندني كأخت، لا كصديقة فقط. كانت تواسيني بنظراتها قبل كلماتها، تملأ الفراغ الذي خلفه خوفي، وتحمل عني بعضًا من ثقلي بكفّها الممدودة لي، وكأنها تقول: “لستِ وحدكِ، أنا هنا.”
ولأنها ليست فقط صديقةً لي، بل كانت أمًّا ثانيةً لابنتي تاليا، فقد احتضنتها كما لو كانت ابنتها. كم مرةٍ كنتُ مضطرةً للذهاب إلى الجامعة، فتأخذ خولة بيد تاليا، ترافقها، تحنو عليها، ترعاها، وتحضرها إلى المركز، وكأنها أمّها الثانية التي لا تتركها تغيب عن عينها.
خولة لم تكن فقط أختي وصديقتي، بل كانت صديقة الجميع، وحبيبة القلوب، وعنوانًا للحب الصادق الذي لا يُشترى، بل يُمنح بكل طهرٍ ونقاء.
اليوم، وأنا أكتب عنها، أشعر أن الكلمات تعجز عن حمل امتنان قلبي لها. فكيف يمكن للكلمات أن تحتوي بحرًا من العطاء؟ وكيف يمكن للحروف أن تفي إنسانةً كانت دومًا بلسمًا لجروحي، ودفئًا في برد أيامي، وسندًا في تعبي، وفرحًا في لحظات انتصاري؟
شكرًا خولة… بعدد حبات المطر، بعدد النجوم في السماء، بعدد المرات التي وقفتِ فيها معي دون أن أطلب، بعدد اللحظات التي كنتِ فيها سندًا حقيقيًا لا يتغير. شكرًا لأنكِ أنتِ… بطيبتكِ، بصفائكِ، بحضوركِ الدافئ الذي لا يعوَّض.
ولأن الإنسان أثر… فأنتِ أثرٌ خالدٌ في حياتي، وبصمةٌ لا تمحوها الأيام.