
سعادة السفير وليد أبو علي ، رجلٌ بحجم وطن ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات
في دروب الحياة، نعبر بمحطاتٍ كثيرة، نلتقي بأشخاصٍ يعبرون كالعابرين، وآخرين يتركون بصمةً لا تُمحى، نقشًا خالدًا في القلب والذاكرة. وهكذا كان لقائي بسعادة السفير وليد أبو علي، الرجل الذي جسّد أسمى معاني المسؤولية، والكرم، والتواضع، فكان كالنجم الذي يضيء سماء المغتربين، والأب الحنون لكل طالب فلسطيني في ماليزيا، والسند الذي يُشعِرُنا أننا لسنا وحدنا في هذا العالم الرحب.
لقاءٌ بنكهة الوطن
في إحدى سفراتي إلى ماليزيا، تلقيت دعوةً كريمةً من الاتحاد العام لطلبة فلسطين لحضور لقاءٍ مع سعادة السفير، يجمع طلبة الدكتوراه الفلسطينيين في مختلف الجامعات الماليزية، لمناقشة قضاياهم والاستماع إلى مشكلاتهم. لم تكن الدعوة مجرد لقاءٍ عابر، بل كانت لفتةً إنسانيةً تعكس عمق اهتمامه بأبناء وطنه، فكم هو جميلٌ أن تجد من يحرص على تسهيل أمورك وأنت بعيدٌ عن وطنك!
استقبلت الدعوة بسعادةٍ غامرة، وكنت أكثر حماسًا لأنني سأحضر برفقة ابنتي تاليا، فهذه الفرصة لم تكن لي وحدي، بل كانت تجربةً ستظل محفورةً في ذاكرتها الصغيرة. كان يومًا مشمسًا، مشرقًا كشمس فلسطين، وجهزت نفسي برفقة تاليا وبعض الصديقات، وانطلقنا نحو السفارة الفلسطينية في كوالالمبور.
عند وصولنا، كان المشهد يوحي برقيٍّ لا مثيل له، بيتُ السفير كان بجوار السفارة، وحُرّاس السفارة عند المدخل طلبوا تسجيل أسمائنا، ثم فتحوا لنا الأبواب لندخل إلى مكانٍ يُشبه حضن الوطن. كنا أول الواصلين، وكم كانت المفاجأة مبهجة حين استقبلنا سعادة السفير وزوجته بكل دفءٍ وترحاب، بلا رسمياتٍ ولا تكلف، فقط قلبٌ فلسطينيٌّ مفتوحٌ لكل أبناء بلده.
كرمُ الأخلاق وسخاءُ اليد
ما إن جلست برفقة تاليا حتى بادرت بشكره على هذه الدعوة الكريمة:
“شكرًا لكم سعادة السفير على هذه اللفتة الجميلة.”
فجاء رده يحمل بين كلماته كل معاني التواضع والإخلاص:
“لا شكر على واجب، هذا دورنا، ونحن هنا لمساعدتكم وتسهيل أموركم.”
لم يكن ذلك مجرد حديثٍ دبلوماسي، بل كلماتٌ خرجت من قلب رجلٍ يحمل فلسطين في قلبه أينما ذهب، وكأنه امتدادٌ لحنان الوطن في ديار الغربة.
ثم نظر إلى تاليا وابتسم قائلاً:
“ما اسمك يا جميلة؟”
أجابته بخجلٍ طفولي: “تاليا.”
فقال لها بحنانٍ أبويٍّ:
“أنتِ فتاةٌ مؤدبة، وسأعطيكِ هديةً تذكارية.”
وأخرج لها هديةً جميلةً، ثم أجلسها بجانبه، وكأنها ابنةٌ له، فشعرتُ حينها أنني أمام رجلٍ لا يحمل فقط لقب سفير فلسطين، بل يحمل في قلبه رسالة الأبوة والمسؤولية لكل فلسطيني في المهجر.
بعد أن اجتمع الجميع، تناولنا الغداء الذي كان شهيًّا يعكس كرم الضيافة الفلسطينية، وتبادلنا الأحاديث، وطرح الطلبة مشاكلهم المتعلقة بالإقامة والدراسة، فأصغى إليهم سعادة السفير باهتمامٍ بالغٍ، وأعطاهم من نصائحه الحكيمة ما يُشعرهم أن هناك من يحمل همَّهم، ويتابع قضاياهم، ويسعى لحلها بكل إخلاص.
تاليا… سفيرةٌ صغيرة بحلمٍ كبير
في اليوم التالي، كنتُ على موعدٍ في السفارة لإصدار شهادة ميلاد تاليا لإنهاء إجراءات الفيزا والإقامة. دخلنا السفارة، وقدمتُ الأوراق للموظفة المسؤولة، وكان لا بدَّ من توقيع سعادة السفير. وقبل أن أسأل عنه، سبقتني تاليا بسؤالٍ بريءٍ:
“هل سعادة السفير هنا؟”
أجابتها الموظفة: “نعم، لكنه مشغولٌ في مكتبه مع بعض الضيوف.”
لكن تاليا لم تتردد، وقالت بكل براءةٍ وثقة:
“من فضلك، قولي له إن تاليا تريد أن تراه.”
لم تمر دقائق حتى استدعانا سعادة السفير إلى مكتبه، وحين دخلنا، رحب بنا كعادته، ثم التفت إلى تاليا مبتسمًا وقال لها:
“سأمنحكِ منصبًا رسميًا، ستُصبحين سفيرةً لفلسطين هنا!”
كم كانت سعادتها غامرة! جلست على كرسي مكتبه الرسمي، والتقطت صورًا تذكاريةً جميلةً، وشاركها الجميع تلك اللحظة المميزة. لم يكن ذلك مجرد موقفٍ عابر، بل كان دافعًا معنوياً لطفلةٍ تحمل في قلبها حبًّا كبيرًا لفلسطين، وغرسًا جميلًا لحلمٍ قد يتحقق يومًا ما.
عامٌ آخر… ولقاءٌ يحمل دفء العائلة
مرت الأيام، وعدتُ إلى ماليزيا مجددًا لمناقشة أطروحة الدكتوراه. وبعد حصولي على الدرجة، فوجئت باتصالٍ من سعادة السفير يهنئني بهذه المناسبة، وكان ذلك لفتةً إنسانيةً عظيمةً لا تصدر إلا من شخصٍ يحمل في قلبه المحبة الحقيقية لأبناء وطنه.
لم يتوقف عند التهنئة، بل دعاني أنا وتاليا للإفطار في شهر رمضان المبارك في بيته. كان اللقاء أشبه بجلسةٍ عائلية، حيث كانت زوجته وبناته في غاية اللطف والكرم، وامتلأت المائدة بأشهى الأطباق الفلسطينية، وكأننا لم نغادر الوطن أبدًا.
لكن اللحظة الأكثر دفئًا وإنسانية كانت عندما قدمت تاليا هديةً صغيرةً له، ميداليةً تحمل علم فلسطين، فأخذها سعادة السفير بين يديه وقال لها بكل صدق:
“شكراً يا تاليا، سأحتفظ بها ولن أعطيها لأحد.”
أجابته تاليا بفرحٍ طفوليٍّ:
“أنا اخترتها لك خصيصًا، وسأتصل بك دائمًا، فأنت صديقي.”
فضحك وقال لها بحنان:
“طبعًا، أنتِ صديقتي، واتصلي بي متى شئتِ.”
وفي ختام اللقاء، كرّمني سعادة السفير وزوجته بهديةٍ رائعة، كانت لمسةً خالدةً من التقدير، جعلتني أشعر أنني بين أهلي وعائلتي الحقيقية.
شكرًا من القلب… لرجلٍ بحجم فلسطين
سعادة السفير وليد أبو علي، لم يكن مجرد دبلوماسيٍّ يؤدي عمله، بل كان أبًا، وأخًا، وسندًا لكل فلسطينيٍّ في الغربة، وكان مثالًا ناصعًا لرجلٍ يحمل قلبًا يسع الجميع، وعقلًا يُفكر في مصلحة كل فردٍ من أبناء وطنه.
شكرًا لك، لأنك كنت أكثر من سفيرٍ، كنت وطناً صغيرًا لنا في بلاد الغربة.
شكرًا لك، لأنك أثبتَ أن فلسطين ليست مجرد حدودٍ على الخارطة، بل نبضٌ يسري في قلوب أبنائها أينما ذهبوا.
