
الأستاذة ياسمين عبد الحفيظ ، رُقيُّ الأخلاق، وسفيرةُ الإنسانية ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات
في الحياة، هناك أشخاصٌ يمرّون بنا مرور العابرين، وهناك آخرون يتركون بصمةً لا تُمحى، نقشًا من نورٍ في صفحات القلب، وأثرًا لا يبهت مع الزمن. ومن بين هؤلاء الذين تركوا بصمةً مشرقةً في حياتي، كانت الأستاذة ياسمين عبد الحفيظ، موظفة الشؤون الثقافية في سفارة دولة فلسطين لدى ماليزيا، تلك الإنسانة التي تجسد الرقيّ في التعامل، واللباقة في الحديث، والتواضع الذي يعلو فوق كل المناصب.
اللقاء الأول… حين يتجلى الجمال في أفعال البشر
أحيانًا، تأتينا المواقف بأجمل الهدايا، والمصادفات بأروع اللقاءات، وكان لقائي بالأستاذة ياسمين خطاب إحدى تلك اللحظات التي تظل محفورةً في الذاكرة بحروفٍ من ودّ. حين توجهتُ إلى السفارة الفلسطينية في ماليزيا برفقة ابنتي تاليا لإنجاز معاملةٍ رسمية تتعلق بالإقامة، لم يكن في الحسبان أن ألتقي بشخصٍ بهذا النُبل والرُقيّ. فما إن استفسرتُ عن الإجراءات حتى جاءني صوتها الهادئ المطمئن، تحمل نبراته كل الاحترام والودّ، قائلةً بكل اهتمام: “نعم، سعادة السفير وليد أبو علي أخبرني، وسيتم تجهيز الأوراق خلال دقائق.”
كان حديثها مختصرًا، لكنه حمل في طياته كل معاني التفاني في العمل، ذلك الإخلاص النادر الذي لا يحتاج إلى كلماتٍ طويلة، بل يكفي أن تلمسه في تصرفات الإنسان لتدرك أنك أمام شخصٍ يعمل بحب، لا بمنطق الواجب فقط.
تاليا … السفيرة الصغيرة وحنانٌ لا يُنسى
وبينما كنا ننتظر الأوراق، نطقت تاليا ببراءتها المعتادة، قائلةً: “لو سمحتِ، أريد رؤية سعادة السفير والتسليم عليه.” لم تتردد الأستاذة ياسمين لحظةً، بل ابتسمت وأجابت بكل اهتمام: “بالطبع، سأخبره الآن.” وما هي إلا لحظاتٌ حتى عادت لتبشرنا بأن سعادة السفير يريد رؤيتنا، وحين دخلنا إلى مكتبه، كان الاستقبال يفوق كل توقعاتنا.
لكن المفاجأة الأجمل كانت حين قرر سعادة السفير تعيين تاليا سفيرةً لفلسطين! لم يكن هذا مجرد لقب، بل كان لحظةً ملؤها الفخر والاعتزاز، فقد أجلسها على مكتبه الخاص، وأعطاها الفرصة لتعيش حلمًا صغيرًا، لكنه ترك في قلبها سعادةً عظيمة. ولم يكن هذا المشهد ليكتمل دون الأستاذة ياسمين، التي كانت خلف الكواليس، ترتب التفاصيل بمحبةٍ خالصة، تلتقط الصور بابتسامةٍ حنونة، ثم تقدّم لتاليا قطعة شوكولاتة وهي تقول لها: “أنتِ مثل ابنتي.”
أن تكون إنسانًا قبل أن تكون موظفًا
الأستاذة ياسمين عبد الحفيظ لم تكن مجرد موظفةٍ تؤدي عملها، بل كانت إنسانةً تحمل في قلبها صدق المشاعر، وفي تعاملها رُقيّ الأخلاق. لم تكن فقط تسهّل الإجراءات، بل كانت تفعل ذلك بحب، وكأنها تضع لمسةً دافئةً على كل معاملةٍ تُنهيها، وكأنها تقول للعالم: “الوظيفة ليست مجرد مهام، بل هي رسالة إنسانية قبل كل شيء.”
وموقفها لم يكن يتوقف عند ذلك اليوم، بل امتدَّ إلى مواقف أخرى، حين احتجتُ إلى تصديق شهادة الدكتوراه من السفارة وتوقيع سعادة السفير عليها. لم يكن الأمر سهلاً، لكنه أصبح كذلك بفضل جهودها وتفانيها، فلم تبخل بأي جهدٍ، ولم تتوانَ عن المساعدة، بل كانت شعلةً من النشاط، تسهّل الإجراءات وتزيل العقبات بابتسامةٍ هادئةٍ تحمل بين طياتها الكثير من النُبل.
شكرًا من القلب… لأن القلوب الطيبة تستحق الشكر
ليس هناك أسمى من أن يُقال للإنسان “شكرًا” من قلبٍ ممتنٍّ لجميل صنعه، ولأثره الطيب الذي تركه دون أن يطلب مقابلًا. الأستاذة ياسمين عبد الحفيظ لم تكن مجرد اسمٍ عابرٍ في حياتي، بل كانت روحًا جميلةً مرّت وتركت أثرًا لا يُمحى، كعطرٍ باقٍ بعد رحيل صاحبه، كضوءٍ أضاء العتمة ثم بقيت بصمته حتى بعد أن غاب.
شكرًا من القلب، لأن هناك أشخاصًا حين نشكرهم، نشعر أن الكلمات لا تفيهم حقهم.
شكرًا لأنك كنتِ نموذجًا للإنسان الذي يجعل الحياة أجمل بتصرفاته قبل كلماته.
شكرًا لأنك كنتِ نورًا في لحظة انتظار، وبلسمًا في موقفٍ يحتاج إلى دعم، ويدًا ممدودةً بالخير دون تردد.
إن كان للذوق عنوان، فهو ياسمين خطاب، وإن كان للرقيّ مثال، فهو ذلك القلب الذي يحمل الخير ويمنحه دون حساب.