
الأستاذ والحكم الدولي أمين بشارات ، صانع الأبطال، ورجلٌ في هيبة الجبال ، بقلم: د. تهاني رفعت بشارات
في هذه الحياة، هناك أشخاص يمرّون كالعابرين، يتركون ظلًّا باهتًا ثم يرحلون، وهناك من يحفرون أسماءهم في ذاكرة الأيام، تظلّ ذكراهم مضيئة كنجمٍ لا يخبو، وسيرتهم تُروى جيلاً بعد جيل. وأمين بشارات لم يكن مجرد رجل، بل كان قصةً من الإصرار، وحكايةً من العطاء، ورمزًا لقوة لا تنحني، وقلبًا لا يعرف إلا الخير.
منذ الطفولة… ملامح القائد الذي لا يعرف المستحيل
لم يكن أمين طفلًا عاديًا، بل كان مزيجًا فريدًا من الجدية والمسؤولية، القوة والرحمة، الطموح والتواضع. نشأ ابن العم البطل أمين بشارات في كنف عائلة كريمة، تحمّل المسؤولية منذ صغره، وسار على خطى والده مصطفى بشارات رحمه الله، ليكون اليد التي تُعين، والقلب الذي يحتضن، والجدار الذي يستند إليه من حوله.
لم يكن يعرف التخاذل، ولم يكن يرضى بالقليل، كان كالنسر الذي لا يعرف القمم الواطئة، لا يقبل إلا العلوّ، ولا يرى في الصعوبات سوى سلالم تقوده نحو النجاح. منذ صغره، أدرك أن الحياة لا تمنح الفرص، بل تُنتزع بإرادةٍ لا تلين، وكان إيمانه هذا هو مفتاح كل نجاح حققه لاحقًا.
رجلٌ سبق عمره… بين قوة الفارس وحكمة الحكيم
حين تنظر إلى أمين بشارات، تشعر وكأنك أمام رجلٍ خُلِق ليكون قائدًا، فارسًا خرج من كتب التاريخ، يحمل بين ضلوعه صلابة الأبطال، وبين كلماته حكمة العظماء. لم يكن نجاحه وليد مصادفة، بل كان ثمرة جهدٍ وسهرٍ وإيمانٍ بأن من يزرع الإصرار يحصد المجد.
بنى نفسه بنفسه، لم ينتظر أن تفتح له الأبواب، بل صنع مفاتيحه الخاصة، فتح بها كل ما كان مغلقًا، وشقّ طريقه نحو العالمية بعرق جبينه وإصراره الذي لا يُهزم. ومع كل خطوة، كان يُثبت أن العظمة لا تُقاس بالإنجازات وحدها، بل بالتواضع الذي يرافقها.
باني الأحلام… وصانع الأبطال
لم يكن أمين مجرد رياضي أو مدرب، بل كان قائدًا يحمل شعلة الأمل في يديه، يضيء بها طريق الشباب، ويرى في كل شاب وشابة مشروع بطل عالمي. أسّس أكاديمية الأقصى للكاراتيه، لم يكن حلمه مجرد مكانٍ للتدريب، بل أراد أن يكون مصنعًا للأبطال، وساحةً لغرس القيم والمبادئ قبل المهارات والقدرات.
كان الأب الروحي لكل من تدربوا تحت يديه، لم يكن مجرد مدرب، بل كان السند، الداعم، والقلب الذي ينبض بحب تلاميذه. وبفضل جهوده، لم تخرج الأكاديمية مجرد لاعبين، بل أبطالًا عالميين، رفعوا راية فلسطين عاليًا، وكتبوا أسماءهم في سجلات المجد.
ولأن العظماء لا يُقيدهم المكان، وصل أمين إلى العالمية، وأصبح حكمًا دوليًا، ليس لأن الشهرة أغرته، ولكن لأنه أراد أن يكون اسمًا فلسطينيًا محفورًا في ميادين الرياضة الدولية، أراد أن يُثبت أن الإرادة تصنع المعجزات، وأن فلسطين رغم كل الجراح، تنجب الأبطال الذين يتخطون الحدود.
صانع أكبر عائلة كاراتيه فلسطينية
لم يكتفِ أمين بشارات بأن يكون بطلًا في ذاته، بل صنع إرثًا رياضيًا يمتد عبر عائلته، فكان المؤسس لأكبر عائلة كاراتيه فلسطينية. لم يدرب الغرباء فحسب، بل صقل مهارات إخوته وأخواته، فكان لهم المدرب والملهم، ووضعهم على سلّم النجاح. شقيقته المدربة شذى بشارات أصبحت رمزًا للمرأة الرياضية القوية، وشقيقته الحكم الدولي ضحى بشارات حملت راية العدل في الحلبات الدولية، بينما أكمل إخوته عبد الله بشارات، أنس بشارات، وخليل بشارات المسيرة نحو التميز الرياضي. ولم يكن النجاح فرديًا، بل كان عملاً جماعيًا، حيث تعاون معه شقيقه الدكتور محمد بشارات، وأخوه أحمد بشارات، ليكونوا جميعًا عائلة تنبض بحب الرياضة والكاراتيه، وتثبت أن النجاح الحقيقي هو الذي يُورث للأجيال القادمة.
الخير الذي يسري في دمه… رجل المواقف والعمل التطوعي
لم يكن أمين مجرد بطل في الرياضة، بل كان بطلًا في ميادين الخير، فارسًا في ساحات العطاء، إنسانًا لا يستطيع أن يرى حاجةً دون أن يسارع لسدّها. ومن طبيعة عمله في إطفائية نابلس، كان دائمًا في الصفوف الأولى، حيث الخطر لا يرحم، وحيث لا يقف إلا أصحاب القلوب الشجاعة.
كم من منزلٍ أنقذه من ألسنة النيران، وكم من حياةٍ كان سببًا في إنقاذها، وكم من عائلةٍ أعاد إليها الأمل بعدما كادت تفقد كل شيء. كان يندفع نحو النار كما يندفع الأبطال إلى ساحات المعارك، يرى في ذلك واجبًا قبل أن يكون وظيفة، وفي مساعدة الناس رسالةً قبل أن تكون عملًا.
وبعيدًا عن ساحات الإطفاء، لم يكن يبخل بوقته أو جهده في أي عمل خيري أو تطوعي، كان يصل إلى الفقير قبل أن يطلب، ويمدّ يده إلى المحتاج قبل أن يبوح، ويرى في خدمة الآخرين متعةً وسعادةً لا تضاهيها أي إنجازات أخرى.
العائلة التي أحبها… وقصة الحب التي تحدّت الحدود
ورغم تمسّكه بجذوره، كان قلبه واسعًا كسماء لا حدود لها، يحمل الحب في داخله كأنه رسالة يجب أن يُوصلها للعالم. لم يكن الحب عنده مجرد كلمة، بل عهدٌ يُقطع، ووفاءٌ لا ينكسر، وقرارٌ لا رجعة فيه.
وهذا ما قاده إلى قصة حب فريدة، مع امرأة ألمانية مسلمة، أحبها بصدق، وأحبته بوفاء، فخاض معركة الحياة بجسارة ليكون معها، متحديًا كل الصعوبات والعوائق، ليبني بيتًا قائمًا على الحب والاحترام والتفاهم.
لم يكن زواجه مجرد ارتباط، بل كان اتحادًا بين ثقافات، وتجسيدًا لحقيقة أن الحب لا يعرف حدودًا، ولا يعترف بالفروقات. وكان ثمرة هذا الحب أبناء ساروا على خطاه، وأصبحوا أبطالًا كما أراد لهم أن يكونوا.
الإرث الذي لا يُمحى… والمجد الذي يتوارثه الأبناء
ابنه مصطفى أمين بشارات، لم يكن مجرد امتداد لاسمه، بل كان امتدادًا لحلمه، فصار بطلًا عالميًا يحمل راية والده ويمضي بها نحو مزيد من الأمجاد. أما ابنته مريم أمين بشارات، فقد كانت مثالًا حيًا لإصرار والدها، فتخطّت كل التحديات، ورفعت اسمها عاليًا في بطولة العالم للكاراتيه، تُقاتل ليس فقط من أجل الفوز، بل من أجل أن تُثبت أن ابنة الأبطال لا تكون إلا بطلة.
التواضع الذي لا ينحني… ورجلٌ لا ينسى من حوله
العظماء لا تُقاس قيمتهم بما يحققونه لأنفسهم، بل بما يمنحونه للآخرين، وأمين بشارات كان مثالًا حيًا لذلك. رغم كل نجاحاته، ظلّ بسيطًا كأنه لم يحقق شيئًا بعد، ظلّ متواضعًا كأنه لم يُعرف بعد، لم تغره الشهرة، ولم تعمِه الأضواء.
واليوم، ومع كل نجاح جديد يحققه، يثبت أنه ليس مجرد اسم، بل هو قصةٌ تروى، ومسيرةٌ لا تنتهي، وصانعُ أبطالٍ سيبقى أثره خالدًا في القلوب قبل أن يُكتب في التاريخ.
أمين بشارات… أنت البطل الحقيقي، وأنت الرجل الذي لا يميل.