
“الدكتورة والاعلامية براءه عابد… الصوت الحرّ والقلم الذي لا ينكسر” بقلم :د. تهاني رفعت بشارات
في مسيرة الحياة، هناك أشخاص يتركون أثرًا في قلوبنا لا يمحوه الزمن، وأرواحًا تضيء الدروب أمامنا كنجوم لا تخبو مهما اشتدّت العواصف. ومن بين هؤلاء، الدكتورة والإعلامية براءه عابد، التي لا يمكن الحديث عنها إلا بإجلال وإكبار، فهي صوتٌ صادقٌ في الإعلام، وقلمٌ جريءٌ في البحث العلمي، وامرأةٌ فلسطينيةٌ تنسج من التحديات نجاحاتٍ لا تُحصى.
لقائي الأول بها… صوت فلسطين يحتضن البحث العلمي
تعرفت على براءه عابد للمرة الأولى عندما أجرت معي مقابلة إذاعية في صوت فلسطين، وكانت المقابلة عن أهمية البحث العلمي في تطوير المجتمعات والنهوض بالأمم. منذ اللحظة الأولى، لفتني أسلوبها الهادئ والواثق، وطريقتها المميزة في الحوار، فلم تكن مجرد مقدّمة برامج تلقي أسئلة جاهزة، بل كانت إعلامية تبحث عن الحقيقة، تحلل، تناقش، وتصيغ الكلمات بدقة وإحساس.
لم يكن اللقاء مجرد حدث عابر، بل كان البداية لسلسلة من اللقاءات الفكرية العميقة، حيث ناقشنا مواضيع متنوعة تتعلق بالتعليم، مشاكله، الحلول المقترحة، ودور البحث العلمي في إحداث التغيير. كانت براءه إعلامية بلا تصنّع، تتحدث بصدق نادر، وتُسلّط الضوء على القضايا الجوهرية بشفافية تامة، وهذا ما جعل حواراتها ذات أثر عميق، ليس فقط على المستمعين، بل حتى عليّ شخصيًا، فقد لمستُ فيها روحًا تسعى دائمًا لنشر المعرفة وإيصال الحقيقة بكل الطرق الممكنة.
رحلة البحث الأكاديمي… عندما يتلاقى الإعلام بالعلم
لم يقتصر تواصلنا على الإعلام، بل امتد إلى ميدان البحث الأكاديمي، حيث تشاركنا في إعداد بحث علمي حول اغتيال الإعلامية شيرين أبو عاقلة، بالتعاون مع نخبة من الباحثين. في هذه التجربة، رأيت جانبًا آخر من براء، الجانب الذي يجمع بين ذكاء الباحث، وإصرار الإعلامي، وعمق الإنسان الذي يؤمن بأن الكلمة قادرة على إحداث التغيير.
كانت دؤوبة إلى أبعد الحدود، تتابع كل تفاصيل البحث بشغف وإصرار، تناقش كل معلومة، تدقق في كل جزئية، وكأنها تحارب كي لا يُطمس الحق، ولا يُنسى صوتٌ أُسكت بالرصاص. لم تكن تعامل البحث كعمل أكاديمي فقط، بل كقضية تحملها في قلبها وتدافع عنها بكل جوارحها. وعندما نُشر البحث، شعرتُ بسعادتها الغامرة، ليس لأنها أضافت ورقة بحثية جديدة إلى سجل إنجازاتها، بل لأنها رأت أن صوت شيرين لا يزال حاضرًا في صفحات العلم كما كان حاضرًا في ميادين الصحافة.
التحدي الأكبر… بين الأمومة، الإعلام، والدكتوراه
ما يجعل براءه عابد شخصية مميزة ليس فقط تفوقها المهني والأكاديمي، بل قدرتها العجيبة على التوازن بين مسؤولياتها العديدة. فهي زوجة وأم لطفلتين، وإعلامية بارزة، وباحثة أكاديمية تسير بخطى ثابتة نحو الحصول على درجة الدكتوراه في الصحافة والإعلام.
كم من مرةٍ كنتُ أشعر بالإرهاق من مسؤولياتي، لكنني كنتُ أرى براء تقف شامخة، تواجه كل التحديات بروح قوية لا تعرف الانكسار. كانت تتحدث عن أبحاثها بلهفة الباحث، وتناقش قضايا الإعلام بشغف الصحفي، ثم تعود إلى بيتها لتكون أمًا حنونًا، تتابع تفاصيل حياة طفلتيها بحب ودفء لا يوصف.
هذه القدرة على الجمع بين الأدوار المختلفة، دون أن تطغى إحداها على الأخرى، جعلتني أزداد احترامًا وإعجابًا بها. فهي ليست فقط باحثةً تبحث عن الحقيقة، أو إعلاميةً تنقلها للناس، بل هي أيضًا أمٌ تحتضن مستقبلها بكل حنان، وزوجةٌ توازن بين شغفها العلمي ومسؤولياتها الأسرية.
براءه عابد… المرأة الفلسطينية التي تُجسّد معنى القوة
في زمن أصبحت فيه التحديات جزءًا من حياة المرأة الفلسطينية، نجد في براءه مثالًا يُحتذى به لكل من تؤمن أن النجاح لا يأتي صدفة، بل هو نتاج العمل الجاد، والإيمان بالذات، والتفاني في تحقيق الأحلام. إنها المرأة التي لم تختر الانزواء خلف الظل، بل صنعت لنفسها طريقًا مشرقًا في العلم والإعلام، واستطاعت أن تجمع بين قوة العقل ودفء القلب، بين شراسة الصحفي وإنسانية الباحث، وبين دقة الأكاديمي وعفوية الأمومة.
براءه عابد ليست مجرد اسم مرّ في حياتي، بل أثرٌ خالد، نموذجٌ يُحتذى، وامرأة تُثبت للعالم أن المرأة الفلسطينية تستطيع أن تكون كل شيء، دون أن تتخلى عن أي شيء.
شكرًا براءه … لأنكِ كنتِ ولا زلتِ من أجمل وأرقى الأشخاص الذين مروا في حياتي، ولأنكِ مثالٌ حيٌ للعزيمة، الإبداع، والنقاء الإنساني الذي لا يُنسى.