
“الدكتور منذر زيود… أستاذٌ بحجم الحياة” ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات
هناك معلمون يتركون أثرًا في ذاكرتنا، لا لأنهم مرّوا في حياتنا وحسب، بل لأنهم شكلوا جزءًا من وعينا، وغيروا طريقة تفكيرنا، وغرسوا فينا قيمًا تبقى معنا ما حيينا. وكان الدكتور منذر زيود واحدًا من هؤلاء، ممن علّموني أن العلم ليس مجرد معلومات تُلقّن، بل مسؤولية تُحمل على الأكتاف وأمانة يجب أن تُؤدى بإخلاص.
في بداية دراستي الجامعية، كنت أشعر بالرهبة من المواد التي يدرّسها، فقد كان دقيقًا في شرحه، ملتزمًا بالمادة العلمية إلى أقصى حد، يركز على الفهم لا الحفظ، وعلى المهارة لا العلامات. كنتُ أحيانًا أجد الأمر مُرهقًا، حتى جاءت تلك المحاضرة التي قال فيها جملة لم أنسها يومًا: “العلامة ليست مهمة بقدر الفهم والمهارة، فالتعليم أمانة، وأنتم بناة المستقبل ومعلمو الأجيال القادمة. ماذا لو وقع أحد أبنائي بين أيديكم؟ كيف ستعلمونه؟”
لم أكن أعلم أن هذه الكلمات ستتحول يومًا إلى واقع، لكن الحياة أحيانًا تدير عجلاتها بطريقة مدهشة. بعد تخرجي، عملتُ في مدرسة خاصة، وسبحان الله، كان أحد طلابي أحمد، ابن الدكتور منذر زيود. كان من أذكى الطلاب وأكثرهم تهذيبًا، وحينها فقط استوعبت معنى حديثه، وأدركت مدى مسؤوليتي كمعلمة، ليس فقط تجاه أحمد، بل تجاه كل طالب أدرّسه.
وذات يوم، أثنى الدكتور منذر زيود على الخطة الشهرية التي أرسلتها لأولياء الأمور، وعلى أسلوبي في تنظيم الدروس، وكم كان لذلك الأثر الطيب في نفسي! ومرت الأيام، وأصبحت أقدم دورات في المحادثة باللغة الإنجليزية، لأجد مرة أخرى أن أبناء الدكتور منذر من بين المشاركين، وكأن الحياة كانت تقول لي: “ها هو اختبارك الحقيقي كمعلمة، فهل كنتِ على قدر الأمانة؟”
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل شاء القدر أن يجمعنا مرة أخرى في تعاون بحثي أكاديمي، حيث عملنا سويًا على أبحاث علمية، وكان ذلك من أروع محطات حياتي، حيث تحوّل الأستاذ إلى زميل أكاديمي، وصاحب فضلٍ لا يُنسى.
شكرًا دكتور منذر زيود، لأنك لم تعلّمني فقط محتوى المادة، بل علمتني كيف أكون معلمة حقيقية، وكيف أحمل الأمانة بإخلاص، وكيف أضع في طلابي أثرًا لا يُمحى، كما وضعتَه فيّ يومًا.