
“الدكتورة إيمان قنديل ، أثر لا يزول” بقلم : د. تهاني رفعت بشارات
من أعظم النعم التي قد يمنحها الله للإنسان هي لقاء أشخاص يتركون في حياته بصمة لا تُنسى، أشخاص يكونون نورًا في طريقه، وسندًا في لحظات ضعفه. هكذا كانت الدكتورة إيمان قنديل، الباحثة المتفانية، الأم الحنونة، وسيدة المجتمع المُلهمة والأستاذة الجامعية ، تلك المرأة الاستثنائية التي التقيتها خلال رحلتي العلمية في جامعة يوسيم في ماليزيا، حيث جمعتنا الصدفة لتصبح واحدة من أجمل المحطات في حياتي.
لقاء القدر:
كانت الدكتورة إيمان مثالًا حيًا للعلم والعطاء، تجسيدًا للإنسانية في أبهى صورها. كنا زملاء في دراسة الدكتوراه في جامعة يوسيم، حيث كانت تبرز بتميزها الأكاديمي وتفانيها في البحث العلمي. ومع مرور الوقت، اكتشفت في هذه المرأة روحًا نادرة، مليئة بالحب، اللطف، والطاقة الإيجابية التي تنساب كضوء الصباح، تُضيء كل مكان تصل إليه. لم تكن مجرد زميلة دراسة، بل كانت إنسانة بقلب واسع، يسع الجميع بلا حدود.
رحلة البحر:
أذكر ذلك اليوم بوضوح، حين كنت أستعد للعودة إلى فلسطين، وكنت بحاجة إلى شراء بعض الأغراض الأخيرة. بينما كنت منهمكة في التحضير، كانت ابنتي تاليا تتحدث بحماس عن حبها للبحر أمام الدكتورة إيمان. لم تتجاهل كلماتها كما يفعل البعض، بل استمعت إليها باهتمام، وقررت على الفور أن تمنحها فرحة غير متوقعة. رتبت لنا رحلة إلى البحر، فقط من أجل أن تاليا تستمتع بوقتها! كانت رحلة قصيرة، لكنها كانت كفيلة بأن تزرع في قلبي امتنانًا عميقًا لا يُوصف. هذه هي إيمان، التي تعطي دون أن يُطلب منها، وتفرح لفرح الآخرين وكأنها تمنح السعادة لنفسها.
إخلاصها الأكاديمي:
لم تكن الدكتورة إيمان مجرد صديقة أو داعمة في الأوقات الشخصية، بل كانت أيضًا مثالًا للإخلاص في عملها الأكاديمي. كنا ندرس معًا في جامعة يوسيم، حيث كانت تدعم طلابها بلا حدود. حتى في إجازاتها، لم يكن هاتفها يتوقف عن استقبال رسائل الاستفسارات من طلابها. كانت ترد عليهم بصدر رحب، ترشدهم، تساندهم، وتعطيهم من وقتها وكأنها لا تعرف للراحة معنى. كانت تقول دائمًا: “العلم ليس مجرد شهادة، بل مسؤولية تجاه المجتمع.”
دعمها في لحظات الألم:
وفي لحظات القلق حين كانت فلسطين تنزف، ومدينتي جنين تعاني من اقتحامات الاحتلال، كنت غارقة في الخوف على عائلتي بسبب انقطاع الاتصال. لم أكن وحدي في تلك اللحظات، كانت إيمان هناك، تسكب في قلبي الطمأنينة، تدعمني بكلماتها، تهديني من طاقتها الإيجابية ما يكفي لأستعيد توازني. كانت تقول لي: “أنتِ قوية، وستمر هذه الأزمة، أنا هنا معكِ.” كلماتها كانت كالسند في لحظات اليأس.
درس الإنسانية:
وعندما مررت بأزمة صحية مفاجئة، لم تتركني للحظات، كانت تتصل بي، تطمئن علي، تمنحني من وقتها واهتمامها دون أن تطلب شيئًا في المقابل. عندها تعلمت درسًا عظيمًا: أغلى ما يمكن أن يقدمه الإنسان للآخر هو وقته ودعمه في لحظات الحاجة. كانت إيمان تعيش هذا المبدأ بكل تفاصيل حياتها.
إرثها في جامعة الخضوري:
اليوم، تعمل الدكتورة إيمان كمحاضرة في جامعة الخضوري، حيث تواصل إلهام طلابها وزملائها بنفس الروح التي عرفتها فيها. طلابها يتحدثون عنها بكل فخر، ليس فقط لأنها محاضرة متميزة، بل لأنها إنسانة تترك أثرًا في كل من يقابلها. هي ليست مجرد معلمة، بل مرشدة وأم روحية للكثيرين.
إيمان قنديل… شكرًا لأنك كنتِ أحد أجمل آثار الرحلة، شكرًا لأنك كنتِ ذلك النور الدافئ في غربتي، شكرًا لأنكِ من الذين يبقون في القلب مهما باعدت بيننا الأيام. أنتِ مثال للإنسانية، للعطاء، وللحب الذي لا يعرف حدودًا. ستظلين دائمًا في قلبي، كجزء لا يُنسى من رحلتي في الحياة.