2:26 مساءً / 5 أبريل، 2025
آخر الاخبار

الدكتورة رقية شرداقة ، شمسٌ لا تغيب عن القلب ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات

“الدكتورة رقية شرداقة… شمسٌ لا تغيب عن القلب” بقلم : د. تهاني رفعت بشارات

في محطات الحياة، نعبر طرقًا مختلفة، نصادف وجوهًا عديدة، لكن قلةٌ منهم يتركون في أرواحنا أثرًا خالدًا، كأنهم شموعٌ تضيء ليالينا الحالكة، أو بلسمٌ يداوي جراح الغربة والتعب. وهكذا كانت الدكتورة رقية شرداقة، التي جمعت في شخصيتها نقاء القلب وسخاء الروح وصدق المشاعر، فكانت بمثابة اليد الحانية التي تربّت على كتف الأيام، والنبض الدافئ الذي يبقى في الذاكرة رغم المسافات.

عرفتها خلال دراستي لدرجة الدكتوراه في ماليزيا، حيث جمعتني بها الأقدار في إحدى سفراتي، ومنذ اللحظة الأولى، لم تكن مجرد معرفة عابرة، بل كانت أختًا صادقة، وصديقةً وفية، وسندًا حقيقيًا في الغربة. كانت مديرة مدرسة ناجحة، وأمًا حنونة، وزوجةً داعمة لزوجها الدكتور الذي كان يدرّس في ماليزيا، ورغم كل هذه المسؤوليات، كانت قمةً في التواضع، ورمزًا للأخلاق الرفيعة، ومصدرًا للطاقة الإيجابية.

لكن ما جعلها أقرب إلى القلب هو حنانها العفوي وطبيعتها النقية، فقد رأيتها تعامل ابنتي تاليا كأنها ابنتها، بحبٍّ غامر وعطفٍ دافئ، فتارةً تكون طفلة تلعب مع الأطفال وتشاركهم ضحكاتهم البريئة، وتارةً تكون جادة ومديرة حازمة حين يتطلب الموقف ذلك. هذه القدرة على التوازن بين اللين والحزم، بين الجد والمرح، بين العطاء والمسؤولية، جعلتها شخصية فريدة لا تُنسى.

أما الموقف الذي حفر اسمه في ذاكرتي إلى الأبد، فهو عندما قررتُ العودة إلى فلسطين، وكانت الأوضاع هناك متوترة، الاقتحامات مستمرة، والطرق غير آمنة، واحتمال أن أبقى في الأردن كان واردًا. لم تتردد لحظةً واحدة في عرض بيتها لي ولابنتي، فتحته بكرمٍ ومحبة وكأنه بيتي الثاني، لم تنتظر أن أطلب، بل بادرت بحبٍّ خالص، وأكدت أن الأبواب مفتوحة متى ما احتجتُ إليها.

لم تكتفِ بذلك، بل كانت هي وزوجها الدكتور يتابعان أخبار الجسر باستمرار، يتحققان من وضع المسافرين، يتصلان مرارًا للاطمئنان على كل التفاصيل، كأنها مسؤولة عن راحتي وسلامتي أكثر من نفسها. وعندما وصلت إلى الأردن واستقررتُ في الفندق، كان أول اتصالٍ تلقيته هو منها، لم يكن مجرد اتصال، بل كان صوتًا يحمل دفء العائلة، وأمان الوطن الذي نفتقده في الغربة.

في حياة كل منا أشخاص يعبرون كالعابرين، يمرون دون أن نلتفت إليهم، لكن هناك من يبقى أثرهم كالنقش في القلب، لا يمحوه الزمن، ولا تبهته الأيام. والدكتورة رقية كانت من هؤلاء القلائل، الذين يمنحون الحياة بلا مقابل، الذين يجعلونك تؤمن أن الخير لا يزال نابضًا في النفوس النقية، وأن العلاقات الصادقة لا تُبنى على المصالح، بل على الحب الصادق والتقدير العميق.

ورغم مسؤولياتها الكبيرة، لم تنسَ يومًا أن تسأل عني وعن ابنتي تاليا، كنت أجدها في كل إنجازٍ أحققه، في كل فرحةٍ أعيشها، كانت دائمًا أول المهنئين، تفرح لي بصدق كأن نجاحي نجاحها، وكأن فرحتي فرحتها. لم يكن دعمها مجرد كلمات، بل كان روحًا صادقةً تحيطني، وأمانًا نادرًا في عالمٍ يموج بالمجاملات السطحية.

لا تقللوا من شأن أرواحكم…


قد يكون عطاؤكم جسرًا يُنقذ أحدهم من الضياع، أو كلمة تُنير دهاليز قلبٍ أوشك أن يخبو، أو لمسةٌ تُرمم جراحًا لا يراها أحد.


قد تكونون شعلةً في ظلام القلوب، وسراجًا يُبدد وحشة الدروب، وصوتًا يوقظ الأمل في أرواح كادت أن تنطفئ.
قد تكونون الوطن لمن لا وطن له، والكتف الذي يستند إليه المتعبون، والمرفأ الآمن لمن أرهقتهم الحياة وعصفت بهم الأيام.


لا تستهينوا بوجودكم، فقد يكون عبوركم في حياة أحدهم هو الفارق بين الانكسار والنهوض، بين الاستسلام والمقاومة، بين الضياع والنجاة.


أنتم أكبر مما تظنون، وأثركم في الحياة أعمق مما تتخيلون، فكونوا دائمًا النور الذي لا ينطفئ، والمأوى الذي لا يُخذل، واليد التي تُمسك بقلوب الآخرين حين يتعثرون.

شكرًا دكتورة رقية على أثرك الطيب الجميل.


شكرًا لأنني في الأردن لم أشعر بالغربة، بل شعرت أن لي سندًا وأختًا عزيزة لا تعوض.

الدكتورة رقية شرداقة ، شمسٌ لا تغيب عن القلب

شاهد أيضاً

بيان صحفي صادر عن محافظ الخليل

شفا – في عملية نوعية تمكن جهاز الشرطة الفلسطينية وبإسناد من كافة الأجهزة الأمنية من …