2:20 مساءً / 5 أبريل، 2025
آخر الاخبار

“أحياء يُرزقون…المعلم الشهيد أحمد عواد … شمعة انطفأت لتضيء طريق الوطن” ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات

"أحياء يُرزقون…المعلم الشهيد أحمد عواد … شمعة انطفأت لتضيء طريق الوطن" ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات

في أرضٍ تتوشح بالحزن، وتكتسي سماؤها بالسواد، يسطع نور الشهادة ليضيء دروب العابرين نحو المجد. هناك، في طولكرم، حيث تمتزج الدماء بتراب الأرض الطاهرة، يسقط الرجال واقفين، شامخين كالسنديان، يخطّون بدمائهم صفحات المجد، لتبقى القضية حية في قلوب الأحرار.

في فجر يوم الجمعة، امتزجت دموع الفراق بنداءات التكبير، حين شيّعت جماهير طولكرم جثمان الشهيد أحمد رياض عواد، المعلم الذي حمل مشعل العلم بيد، وحمل الوطن في قلبه، ليُروى بدمه الطاهر حكاية جديدة من حكايات الصمود الفلسطيني. كانت جنازته مهيبة، خرجت بها الجموع كأنها بحر من الوفاء، يودّع جسداً رحل، لكن روحه ستبقى تحلّق في سماء فلسطين، تلهم الأجيال معنى الصبر والثبات.

المعلم الشهيد… صانع الأمل في عيون طلابه

كان أحمد عواد أكثر من مجرد معلم؛ كان مرشداً، أباً لطلابه، حارساً للحلم الفلسطيني في عيون الصغار، يزرع فيهم بذور المعرفة، ويحميها بحبّه وإخلاصه. لم يكن يعلم أن طريقه في ذلك الصباح سيكون آخر رحلة له في دنيا الظلم، حينما باغتته آلة الاحتلال، تسير بسرعة جنونية، عكس اتجاه الحياة، لتقتلع روحه الطاهرة وتترك خلفها حسرة وألماً في قلوب أحبّته. زوجته التي كانت بجانبه، نجت بجراح متوسطة، لكنها لن تنجو من وجع الفقد، ولا من كابوس اللحظة التي أفلتت فيها يد زوجها، دون أن تستطيع الإمساك به مرة أخرى.

ما ذنب المعلم الفلسطيني؟

ما ذنب هذا المعلّم الذي كرّس حياته لنقل العلم، أن يكون هدفاً لآلة القتل؟ ما ذنب بناته أن يستيقظن ذات صباح ليجدن أن الأب الذي كان يحتضن أحلامهن قد رحل بلا وداع؟ ما ذنب ابنه، طالب الثانوية العامة، الذي سيجلس بعد أيام أمام أوراق الامتحان، يبحث عن إجابات، لكنه لن يجد إجابة لسؤال الفقد والغياب؟ كيف ستبدو الحياة حين يكون مقعد الأب شاغراً، وصوته مبحوحاً في ذاكرة من أحبّوه؟

في كل بيت فلسطيني، هناك قصة مماثلة، هناك مقعد فارغ، وطفل يسأل متى يعود أبي، وأمّ تجيب بصمت موجع، وأخت تذرف الدموع في صمت، تكتم شهقاتها بين صفحات كتبها الجامعية. عابدة عواد، الأخت المكلومة، التي فقدت سندها، لن يكون الطريق سهلاً عليها، لكنها ستمضي، تحمل وجعها في قلبها، وتصنع من دمعها مداداً تكتب به عن معاناة المعلمين الفلسطينيين، أولئك الذين صاروا مشاريع شهادة، بلا ذنب سوى أنهم يحملون في عقولهم سلاحاً اسمه المعرفة.

الشهادة… طريق الأحرار

إن الشهيد أحمد عواد لم يمت، بل ارتقى، لأن الشهداء لا يموتون، هم أحياء يرزقون، يسكنون الذاكرة والقلوب، يصيرون قصائد تُروى في المجالس، وتُحفر أسماؤهم على جدران الوطن. هؤلاء الذين اختارهم الله ليكونوا في عليين، سيبقون منارات تضيء درب الأحرار.

وحدها الأمهات الفلسطينيات يعرفن كيف يخبئن دموعهن في جلابيب الصبر، كيف يحتضنّ أبناءهن بعد استشهاد الآباء، ليقولن لهم: “كان هنا، لكنه الآن بين الملائكة، يرعاكم من السماء”. وحدها الزوجة الفلسطينية تعرف كيف تكتب قصائد الوداع من دون كلمات، وكيف تحوّل البيت إلى محراب للدعاء، تسأل الله القوة، لأن الحياة لم تعد كما كانت.

الاحتلال… آلة القتل المستمرة

ما حدث مع أحمد عواد ليس حادثاً عابراً، بل جريمة جديدة تضاف إلى سجل الاحتلال الحافل بالدماء. ليس غريباً أن تتحول شوارع المدن الفلسطينية إلى مصائد للموت، حيث تسير الآليات العسكرية كوحوش هائجة، تدهس، تقتل، تدمر، وكأنها تخشى نور الحياة في عيون هذا الشعب. لا قانون دولي يحاسبها، ولا ضمير عالمي يتحرك لإنصاف الضحايا.

محافظ طولكرم، كما كل مسؤول فلسطيني، حمل الاحتلال المسؤولية عن هذه الجريمة، لكن العالم صامت، كعادته، يراقب المشهد بصمت بارد، كأنه اعتاد رؤية الدم الفلسطيني يسيل دون أن تهتز له شعرة.

الوداع الأخير… لكنه البداية

حين سُجي الجثمان الطاهر، وحُمل على الأكتاف، لم يكن ذلك وداعاً بقدر ما كان بداية لرحلة أخرى، رحلة الخلود في ذاكرة هذا الوطن. فلسطين لا تنسى شهداءها، وأسماء مثل أحمد عواد ستبقى محفورة في قلوب الأجيال القادمة، تُدرّس في المدارس، وتُحكى في القصص، لأن المعلم الذي ارتقى لن يكون مجرد رقم، بل قصة بقاء، ورمز نضال، وسراجاً يضيء درب الحرية.

ستبكيه زوجته، وستفتقده بناته، وسيظل ابنه يبحث عنه في ملامح الرجال من حوله، لكنّ أحمد سيبقى، في هواء طولكرم، في صدى صوته بين جدران المدرسة، في نظرات طلابه الذين تعلّموا منه كيف يكون الإنسان نوراً يمشي على الأرض.

رحمك الله ، وأسكنك الفردوس الأعلى، وصبّر قلب عابدة وأهلك وأحبّتك. أنت لم تمت، بل صرت نجماً في سماء فلسطين، يضيء حين يطفئ الاحتلال الأنوار.

شاهد أيضاً

مستوطنون يطلقون النار صوب مزارع في تلفيت جنوب نابلس

مستوطنون يطلقون النار صوب مزارع في تلفيت جنوب نابلس

شفا – أطلق مستوطنون الرصاص صوب مزارع، خلال عمله بأرضه في قرية تلفيت جنوب نابلس. …