
التنمر : جريمة أم أزمة أخلاقية !! بقلم : د. زبيدة صبحي سلمان
مقدمة
تتصاعد ظاهرة التنمر بين الأطفال والشباب، وتنتشر كالنار في الهشيم، تترك خلفها أزمة أخلاقية وإنسانية، أزمة مزمنة وليست عابرة، تتعزز قوى الظلم في غياب الرادع، وتخلف العديد من الضحايا الذين يعانون بصمت.
فالتنمر يخلق بيئة سامَّةً تسلب الشعور بالأمان والاستقرار النفسي؛ إذ يعاني ضحايا التنمُّر من مشاعر الاكتئاب، والقلق المُستَمِرّ، وفقدان الثقة بالنفس، وقد يلجأ البعض إلى الإيذاء الجسديّ كوسيلة للتعبير عن معاناتهم النفسية، أو للهروب منها، فالألم الجسدي يصبح مُتنفَّساً للألم النفسي العميق الذي يعانون منه.
ما هو التنمر وما هي أشكاله؟
التنمر هو أحد أشكال العنف الذي يمارسه شخص أو مجموعة من الأشخاص ضد فرد أو مجموعة من الأفراد بصورة متعمدة ومتكررة بقصد الإيذاء المُتعمَّد، وتكمن خطورته في الآثار السلبية التي يُخلِّفها على كلّ من الفرد والمجتمع.
ويمكن أن يحدثَ التنمُّر في العديد من الأماكن، مثل المنزل، أو المدرسة، أو العمل، وقد يحدُث لمرَّة واحدة أو يتكرَّرَ عدة مرات. كما أنه قد يحدث للذكور والإناث وفي أي عمر، ابتداءً من مرحلة ما قبل المدرسة مرورًا بالبلوغ وما بعده.
يأخذ التنمر أشكالًا متعددة تتمثل فيما يأتي:
التنمر البدني (الجسدي): مثل الضرب، أو اللكم، أو الركل، أو سرقة وإتلاف الأغراض.
التنمر الجنسي: وهو يتمثل في المشاركة بالألفاظ أو الأفعال المشينة وتبادل العبارات الجنسية أو التعرض للتحرش الجنسي، وفي بعض الحالات يشتمل هذا النوع على الاعتداء الجنسي والذي يسبب الضرر الشديد والإهانة للضحية التي تتعرض له.
التنمر اللفظي: يظهر في الشتائم، والتحقير، والسخرية، وإطلاق الألقاب، والتهديد.
التنمر الاجتماعي العاطفي: يتمثل في تجاهل أو إهمال الشخص بطريقة متعمدة، ونشر الشائعات الكاذبة لتقليل شأن شخص معين في المجتمع.
التنمر النفسي: النظرات السيئة، والتربص، التلاعب وإشعار الشخص بأن التنمر من نسج خياله.
التنمر الإلكتروني: يتخذ عدة أشكال، كالسخرية والتهديد عبر وضع أمور مهينة للشخص سواء علنًا أو بالسر، مثل رسائل، وصور، وفيديوهات، وتشويه سمعته عن طريق الإنترنت عبر الرسائل الإلكترونية، أو المواقع الخاصة بشبكات التواصل الاجتماعي، أو أن يتم اختراق حسابه والعبث به.
التنمّر العرقي: وهو التنمّر على عرق أو دين أو لون أو جنس الشخص الآخر.
ما هي الأسباب الشائعة للتنمر؟
التنمر ليس مرضا وراثيا، وليس مرضًا بالمعنى الطبي أو النفسي الصرف، بل هو سلوك مكتسب ناتج عن عوامل متعددة، بيئية واجتماعية وشخصية. ومع ذلك، يمكن أن يكون هذا السلوك مؤشرًا على وجود مشكلات نفسية أعمق لدى المتنمر، مثل اضطرابات في التحكم بالغضب، أو ضعف في المهارات الاجتماعية، أو حتى صدمات نفسية تعرض لها في الماضي. ويمكن لأي شخص أن يتعلم سلوك التنمر ويمارسه في ظل ظروف معينه. ومن الأسباب الشائعة التي تجعل الأفراد يتنمرون:
البيئة المحيطة:
الأطفال والشباب يتعلمون من البيئة التي يعيشون فيها، إذا نشأوا في بيئة تسودها العنف، أو غياب الاحترام المتبادل، فمن المحتمل أن يكتسبوا سلوكيات عدوانية. وكثير من المتنمّرين كانوا ضحية تنمّر أنفسهم، يعانون من اضطرابات في منازلهم مثل التعنيف اللفظي والجسدي والجنسي والعاطفي، مما يدفعهم للتنمّر على الآخرين بغية سكب غضبهم المكبوت وإسقاط مشاعرهم السلبية على غيرهم.
النماذج السلبية:
قد يتعلم الأفراد التنمر من خلال تقليد الآخرين، سواء كانوا زملاء أو أفراد عائلة، أو حتى شخصيات إعلامية تُظهر السلوك العدواني على أنه قوة. وبعض المتنمّرين يرغبون بكسب إعجاب الآخرين عبر إضحاكهم وتسليتهم من خلال التنمّر على غيرهم.
تعزيز غير مباشر:
إذا لم تتم محاسبة المتنمر أو حصل على مكافآت اجتماعية (مثل الشهرة أو القوة) نتيجة تصرفاته، فقد يستمر في ممارسة التنمر كوسيلة للحصول على ما يريد.
كيف يمكننا كسر حلقة التنمر وبناء جيل ينبض بالاحترام والتعاطف؟
يتطلب الحل وضع نهج شامل يشارك فيه المجتمع بأسره، بدءًا من الأسرة والمدرسة وصولًا إلى المؤسسات المجتمعية. وتُعتبر المدارس والجامعات محاور رئيسية للتغيير، حيث إنها لا تقتصر على دورها التعليمي فقط، بل تُعد أيضًا فضاءات لبناء القيم الإنسانية، وتشكيل الوجدان، وتعزيز الأخلاق. ولتحقيق ذلك، يمكن اتباع عدة حلول مقترحة منها:
غرس القيم عبر التعليم: يمكن للتعليم أن يصبح أداة فاعلة إذا أُضيفت إليه دروس في الأخلاق والقيم الإنسانية.
برنامج التوجيه العكسي: يمكن تطوير برامج توجيه عكسي حيث يتبادل الطلاب أدوارهم مع المعلمين في إطار أنشطة تربوية مبتكرة، يتم فيها تدريب الطلاب على مهارات القيادة والتوجيه. هذا يساهم في تطوير الوعي الأخلاقي لديهم، ويمنح الطلبة فرصة للتعبير عن الذات، وعن مشاعرهم وأفكارهم دون خوف من السخرية أو الانتقاد عبر منصات آمنة.
البرامج الرياضية التعاونية: تصميم برامج رياضية تهدف إلى تعزيز التعاون بين الطلاب بدلاً من التنافس، بحيث تكون الأنشطة الرياضية جماعية تتطلب عملًا جماعيًا وحل مشكلات ضمن فريق. مما يعزز من التواصل الإيجابي ويساهم في بناء بيئة تتسم بالاحترام والتعاون.
أنشطة تدوين اليوميات والقصص الشخصية: تشجيع الطلاب على كتابة يوميات أو سرد قصص شخصية حول تجاربهم مع التنمر، وكيف أثر ذلك على حياتهم. فالكتابة هي وسيلة للتعبير عن الذات، وطريقة فاعلة للتفريغ النفسي، ولتخفيف الألم وتعزيز الوعي الجماعي حول خطورة التنمر.
التدخل النفسي والاجتماعي: توفير مراكز دعم نفسي واجتماعي للطلاب الذين يعانون من آثار التنمر، وإعادة تأهيل من يمارسونه، فضلا عن وضع قوانين صارمة لمواجهة التنمر للحد من سلوكيات المتنمرين.
إشراك الأهل: الأسرة هي اللبنة الأولى، لذا لا بد من إشراك الآباء في الجهود التربوية من خلال ورش عمل تُعلمهم كيفية دعم أبنائهم نفسيًا وأخلاقيًا.
خاتمة
التنمر، بكل ما يحمله من أسى وألم، يمثل أيضًا فرصة لنا لإعادة تقييم طرقنا التربوية وأدوارنا المجتمعية. من خلال التعاون بين المعلمين، الآباء، والطلاب، يمكننا تحويل هذه الأزمة الأخلاقية إلى نقطة انطلاق لإعادة إحياء القيم النبيلة التي كنا نتغنى بها في مجتمعاتنا. والأمر ليس مستحيلاً، بل هو هدف قابل للتحقيق إذا تم تفعيل هذه الحلول بشكل مستدام وبتعاون مستمر بين مختلف فئات المجتمع. مسؤوليتنا كأفراد ومؤسسات هي أن نكون جزءًا من الحل، ليس فقط بتقليل آثار التنمر، بل ببناء ثقافة ترفض الظلم وتؤمن بحق كل فرد في العيش بكرامة وحرية.