
لو كانت جثة فرعون تنطق لأخبرته بذلك ، بقلم : بديعة النعيمي
كان ذلك قبل الحرب العالمية الثانية عندما طرح ممثلو الوكالة اليهودية على وزارة الحرب البريطانية فكرة إنشاء جيش عبري لمحاربة القوات النازية التي كانت تجتاح أوروبا. بحيث يتم تجنيد يهود فلسطين تجنبدا كاملا في وحدات يهودية ضمن الجيش البريطاني للدفاع عن فلسطين.
ورفع قادة الصهيونية شعار “الدفاع عن فلسطين واليهود ضد النازية”، مستخدمين هذا المطلب كحجة لإثبات قدرة اليهود على القتال من أجل إقامة “وطن قومي” لهم في فلسطين
. وعلى الرغم من أن بريطانيا تعاملت مع هذا الطلب بحذر كما قيل إلا أنها في النهاية وبعد مرور خمس سنوات على اندلاع الحرب استجابت لإنشاء فرقة يهودية قاتلت في إطار الجيش البريطاني.
وأتت هذه الاستجابة بفضل المساعي التي بذلها رئيس الوزراء البريطاني حينذاك “ونستون تشرشل”، حيث قررت الحكومة البريطانية في آب/١٩٤٤ انشاء تلك الفرقة.
وقد وصلت الفرقة بتاريخ ٢١/سبتمبر/١٩٤٤ إلى إيطاليا للتدرب في “فيوجي” الواقعة جنوب شرقي مدينة روما. وخضعت لتدريبات صعبة لمدة ثلاثة أشهر ونصف، ثم نُقلت إلى شمال إيطاليا وانضمت إلى الفرقة الهندية الثامنة.
وفي ٨/يوليو/١٩٤٦ أصدرت وزارة الحربية البريطانية أمرا يقضي بحل الفرقة، وتم تسريح جنودها وعادوا إلى فلسطين بعد أن أعطيت لهم فرصة التعلم والإفادة من الخبراء العسكريين البريطانيين.
والحقيقة أن الحركة الصهيونية أرادت من وراء إنشاء تلك الفرقة تسليح اليهود وتدريبهم، ليس لمجابهة النازية فحسب، بل لإعدادهم لمعركة قادمة تهدف إلى الاستيلاء على فلسطين وطرد سكانها الشرعيين.
وهذا ما حدث، فبعد انتهاء الحرب، استُخدمت هذه الخبرات العسكرية في تأسيس العصابات الصهيونية المسلحة التي نفذت عمليات التطهير العرقي ضد الشعب الفلسطيني عام 1948.
واليوم ٢٠٢٥ وبعد عقود من إقامة الكيان الصهيوني الغاصب، يأتي رئيس الوزراء “بنيامين نتنياهو” ليشترط نزع سلاح المقاومة الفلسطينية في غزة، وإخراجها من القطاع كشرط لأي اتفاق سياسي لوقف الحرب.
والمفارقة العجيبة تكمن في أن دولة الشتات ذاتها التي سعت بقوة إلى تسليح اليهود وتدريبهم بحجة الدفاع عن أنفسهم، تصر اليوم على تجريد الفلسطيني من سلاحه الذي يواجه به آلتهم القائمة على الاضطهاد والقمع والقتل والإبادة.
وما يطالب به نتنياهو اليوم ليس إلا امتداد لسياسة الهيمنة ونزع أدوات القوة من يد الفلسطيني. وفي ظل هذه السياسة المزدوجة، يتضح أن القضية ليست قضية “أمن”، بل هي استمرار لمشروع الاحتلال عبر إضعاف المقاومة الفلسطينية وتجريدها من أي قدرة على حماية شعبها.
وبينما يتشدق ساسة الصهيونية بحق “الدفاع عن النفس”، يُحرم الفلسطيني من هذا الحق وتُمارس بحقه أبشع أنواع القمع والتجريد من أدوات البقاء.
والمفارقة هنا ليست في ازدواجية المعايير فحسب، بل في أن ما كان يُعتبر مشروعا وضروريا حين تعلق الأمر بالصهاينة، أصبح جريمة غير مقبولة حين يطالب به الفلسطينيون، في صورة تعكس قمة النفاق السياسي والاستعمار الحديث.
والتاريخ شاهد على أن كل مقاومة ضد الظلم لا بد أن تجد سبيلها إلى التحرر، مهما بلغت قوة المحتل لأن الشعوب لطالما أثبتت أن الإرادة أقوى من أي قوة غاشمة، والسلاح الحقيقي ليس في البنادق فقط، بل في عدالة القضية وصمود أصحابها. وهل أعدل من قضية فلسطين؟
و “نتنياهو” ومن يدعمه من قوى الشر الغربية والصهيوعربية لن ينتصر مهما بلغ تجبره وطغيانه. ولو كانت جثة فرعون تنطق لأخبرته بذلك.