
” رجاء زكارنة ، امرأةٌ من نور وأثرٌ لا يُنسى” بقلم : د. تهاني رفعت بشارات
في حياتنا، نلتقي بأشخاصٍ كأنهم نجومٌ في سماء الأيام، يضيئون لنا الدروبَ في لحظاتِ العتمة، ويمنحوننا من نورِ قلوبِهم دفئًا وطمأنينة، فيجعلوننا نؤمنُ بأنَّ الخيرَ لا يزالُ نابضًا في هذه الدنيا. ومن بين هؤلاءِ الذين مرّوا في حياتي وتركوا فيها بصمةً من النقاء والإنسانية، كانت الإعلامية الرائعة، والأخت العزيزة، رجاء زكارنة.
لقاءُ البدايات… عندما يلتقي الشغفُ بالإنسانية
تعرفتُ على الأستاذةِ رجاء زكارنة عندما كنتُ أخطو أولى خطواتي في مرحلة الدكتوراه، تلك المرحلة التي تشبهُ بحرًا واسعًا من التحديات، حيثُ يحتاجُ الإنسانُ فيها إلى يدٍ تمتدُّ إليه، أو كلمةٍ تُشجّعه، أو دعمٍ يُعينُه على مواجهةِ صعوباتِ الطريق. في ذلك الوقت، كان ابنُها شمس – حفظه الله ورعاه – طالبًا في مركز تاليا للتميز، الذي كنتُ أديرهُ وأشرفُ على مسيرتهِ التعليمية.
ومنذ اللحظةِ الأولى التي التقيتُ فيها بالأستاذةِ رجاء، شعرتُ أنني أمامَ امرأةٍ تحملُ بين جنباتها روحًا عظيمة، وأمًّا يُضيءُ قلبُها حبًّا وحنانًا، فهي لم تكن مجرّد أمٍّ تتابعُ تفاصيلَ دراسةِ ابنها فحسب، بل كانت نموذجًا للأمِّ الحقيقيةِ التي تعيشُ كلَّ لحظةٍ مع فلذةِ كبدها، تتابعُه، تدعمه، وتقفُ إلى جانبهِ بكلِّ ما تملكُ من حبٍّ وعطاء.
“يلا نعوّض اللي فات”… عندما تُثمر المبادرات بالخير
مرت الأيام، وكنتُ قد قطعتُ شوطًا في مسيرتي العلمية، لكنني كنتُ أؤمنُ دومًا أن العلمَ رسالةٌ، وأنهُ ليس مجردَ طريقٍ شخصيٍّ نسيرُ فيه، بل نورٌ يجبُ أن يمتدَّ إلى الآخرين، وخاصةً إلى أولئك الذين لم تُنصفهم الحياةُ بفرصٍ عادلةٍ في التعلم. ومن هذا الإيمان، ولدت فكرتي في إطلاقِ مبادرةٍ تعليميةٍ تطوعيةٍ تحت عنوان “يلا نعوض اللي فات مع د. تهاني بشارات”، وهي مبادرةٌ تستهدفُ تعليمَ اللغةِ الإنجليزيةِ لفئاتٍ مختلفةٍ، خاصةً أبناءَ الشهداءِ والأيتام.
وحينَ خطرت ببالي الفكرة، كان أول اسمٍ فكرتُ في اللجوءِ إليه هو الأستاذة رجاء زكارنة، لما عرفتهُ عنها من دعمها للمبادرات الإنسانية، ولإيماني بأن الخيرَ إذا اجتمعَ بأيدٍ صادقة، صارَ أعظمَ أثرًا وأجملَ عطاءً. وبالفعل، لم تخذلني، بل بادرت إلى الاتصالِ بي وأعربت عن رغبتها في لقائي ومساعدتي في الحملة، وكأنها كانت تنتظرُ فرصةً لتقديمِ الخيرِ دونَ مقابل.
لم يكن دعمُها مجردَ كلمات، بل كان فعلاً ملموسًا، فقد قامت بنشرِ إعلانٍ مجانيٍّ عن المبادرة على صفحتها الإعلامية، كما تواصلت بنفسها مع أهالي الطلبة، وخاصةً الفئات الأكثر احتياجًا، لتشجيعهم على المشاركة والاستفادة من هذه الفرصة التعليمية. وبفضل الله، ثم بفضل دعمها، لاقت المبادرةُ نجاحًا فاقَ توقعاتي، حيث التحقَ عددٌ كبيرٌ من الطلبةِ بالدورة، وكان ذلكَ دافعًا لي للاستمرارِ في العملِ التطوعي، إيمانًا مني بأن العلمَ حين يُهدى لمن يستحقه، يكونُ أسمى أشكالِ العطاء.
أول لقاءٍ إذاعي… وموقفٌ لا يُنسى
لا تتوقفُ عطاءاتُ الأستاذةِ رجاء عند حدٍّ معين، فهي من أولئك الأشخاص الذين يؤمنون بأنَّ الدعمَ الحقيقيَّ هو ذاكَ الذي يستمرُّ مع الأيام، ويبقى رفيقًا للإنسانِ في محطاتِ نجاحه. ولن أنسى أبدًا موقفها معي عندما حظيتُ بفرصتي الأولى لإجراءِ مقابلةٍ إذاعيةٍ، فقد كانت أولَ من شجّعني، وأولَ من دعمني، وأولَ من قالَ لي: “أنتِ قادرةٌ على أن تكوني صوتًا مؤثرًا في الناس، فقط كوني نفسكِ، ودعي كلماتكِ تخرجُ من قلبكِ، لأنها ستصلُ حتمًا إلى قلوبِ الآخرين”.
وبالفعل، كانت كلماتها كالضوءِ الذي أنارَ لي طريقَ الثقة، فدخلتُ إلى عالم الإعلامِ بقلبٍ أكثر جرأةً وعقلٍ أكثر يقينًا بأنَّ للكلمةِ تأثيرًا قد يتجاوزُ المسافاتِ، وقد يُغيّرُ حياةَ إنسانٍ لم نلتقِ بهِ يومًا، لكنهُ سمعَ صوتَنا فاستمدَّ منهُ الأمل.
“لمثلكِ تُرفعُ القبعات”… شكرًا من القلب
رجاء زكارنة ليست مجرد إعلاميةٍ ناجحة، بل هي إنسانةٌ نادرة، تمتلكُ قلبًا يتسعُ للجميع، ونفسًا تفيضُ بالخير، وروحًا لا تعرفُ معنى الترددِ في مساعدةِ الآخرين. لم تكن يومًا ممن يبحثون عن الأضواءِ أو التصفيق، بل كانت من أولئك الذين يصنعون الضوءَ بأفعالهم، ويرفعونَ الآخرينَ معهم إلى أعلى المراتب.
وإنني اليوم، وأنا أكتبُ هذهِ الكلمات، لا أملكُ إلا أن أقول: لمثلكِ تُرفعُ القبعات، ولمثلكِ يُقالُ الشكرُ ممتدًّا بلا نهاية. شكرًا لأنكِ كنتِ محطةً مضيئةً في حياتي، شكرًا لأنكِ كنتِ سندًا وداعمًا، شكرًا لأنكِ من أولئك الذين يُثبتون لنا كلَّ يومٍ أنَّ الإنسانَ قد يكونُ أثرًا خالدًا، إن اختارَ أن يكونَ نهرًا من العطاءِ لا يجفُّ أبدًا.
إلى الأستاذةِ الإعلاميةِ رجاء زكارنة…
سيبقى اسمُكِ محفورًا في قلبي، وسيبقى أثركِ في حياتي شاهدًا على أنَّ الخيرَ لا يزالُ موجودًا، وأنَّ الإنسانيةَ الحقيقيةَ لا تعرفُ الحدود. دمتِ نورًا يضيءُ دروبَ الآخرين، ودمتِ نموذجًا لكلِّ من يريدُ أن يصنعَ أثرًا جميلًا في هذه الحياة.